قسم الفقه الطّبيباب التداوي

إنعاش الخدج

المسألة رقم 118

العناوين المرادفة

• العناية المركزة لحديثي الولادة.

صورة المسألة

الطفل الخديج: هو الطفل الذي ولد حياً قبل الأسبوع السابع والثلاثين اعتباراً من اليوم الأول من الدورة الطمثية السابقة وذلك بغض النظر عن وزنه.
فالأسبوع السابع والثلاثون هو الحد الفاصل بين الخديج والمولود العادي كامل النمو.
والولادة المبكرة تعني خسارة الطفل الوقت الكافي للتطور داخل الرحم، فيخرج للحياة وأعضاؤه مازالت غير ناضجة وغير مكتملة، فيكون بحاجة إلى إجراءات طبية مركزة؛ لإعادة الوظائف الحيوية [القلب والتنفس] لمباشرة عملها من جديد، وهذه الإجراءات الطبية بجميع أشكالها تسمى إنعاشاً، فما حكم إنعاشه؟

حكم المسألة

الطفل الخديج كما بينا هو من خرج إلى الحياة قبل أن يستكمل 37 أسبوعاً في رحم أمه، أي أنه لم يدخل الشهر التاسع بعد.

وأقل عمر حملي يخرج فيه الجنين ويكون قابلاً للحياة هو 22 أسبوعاً حسب الإحصاءات الطبية الأخيرة

ولبيان حكم المسألة لابد من التفريق بين من أتم ستة أشهر ومن هو دون ذلك.

أولاً: إنعاش الخديج الذي له من العمر ستة أشهر فصاعداً -28 أسبوعاً إلى 37 أسبوعاً-

يجب إنعاش الطفل الخديج الذي له من العمر ستة أشهر، ويحرم على المستشفى الامتناع عن إنعاشه، أو تأخيره لحين أخذ الإذن من وليه بالاتفاق، بل يبادر به حتى لا يلحقه الضرر، وإن رفض الولي الإنعاش مع حاجة الخديج إليه لم يعتد برفضه

وبه صدر قرار مجلس هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية، وقرار مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي.

واستدلوا لوجوب إنعاش الخديج الذي أتم ستة أشهر بما يلي:

  • قول الله –تعالى- : ﴿ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة:32].

يقول القرطبي في تفسير من أحياهاً: “نجاها من الهلاك”.

ويقول القاسمي: “ومن تسبب لبقاء حياتها بعفو أو منع القتل أو استنقاذ من بعض أسباب الهلكة، فكأنما فعل ذلك بالناس جميعاً”.

  • قوله الله –تعالى-:﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾ [المائدة:2].

وإنقاذ المعصوم من الهلاك من التعاون على البر والتقوى، وتركه من التعاون على الإثم والعدوان، فكان حراماً.

  • ما روي عن النبي ﷺ أنه قال : « من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة لقي الله عز وجل مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله» [ابن ماجه، رقم (2620)، وضعفه ابن حجر في التلخيص الحبير 4/14].

فالحديث نص في تحريم الإعانة على قتل المسلم، وأنه من كبائر الذنوب، ومن أعظم أنواع الإعانة ترك إنقاذه من الهلكة مع القدرة على ذلك.

  • ما روي أن رجلاً استقى أهل أبيان فلم يسقوه حتى مات، فأغرمهم عمر رضي الله عنه الدية. [ابن أبي شيبة في مصنفه، رقم (7948) وابن حزم في المحلى، رقم (2097)]

فدلالة الأثر ظاهرة في وجوب إنقاذ المعصوم من الهلاك، إذ لو لم يكن واجباً لما غرمهم عمر رضي الله عنه الدية، فالضمان دليل على وجوب الإنقاذ وتحريم الامتناع.

  • لأن الخديج والحال هذه نفس معصومة معرضة للهلاك، وإنقاذ المعصوم من الهلاك واجب، ولا يتم ذلك في الخديج إلا بإنعاشه، فكان واجباً.

ثانياً: إنعاش الخديج الذي لم يكمل ستة أشهر، أي أقل من 28 أسبوعاً:

قبل بيان حكم المسألة يحسن التنبيه على ما يلي:

أولا: أن أقل الحمل الثابت شرعاً وهو ستة أشهر، لا يتعارض مع إمكانية عيش من هو دون ذلك عند توافر الإمكانات الطبية الفائقة.

ثانيا: أن أقل عمر حملي تم إنعاشه هو 24 أسبوعاً، وهو من أنهى شهره الخامس ودخل في السادس.

ثالثا: الموازنة بين الضرورات المتعلقة بمسألة إنعاش الخديج، وهي: ضرورة حفظ النفس، والمال، والعقل.

رابعا: أن الاتفاق على أقل الحمل- وهو ستة أشهر – ينبغي الاحتياط فيه، إذ كانوا يحسبونه من وقت الزواج، أو من الطهر من الحيض عملاً بالظاهر، لذا يحتاط للحمل الذي يقرب عمره من الستة أشهر عملاً بقاعدة: ما قارب الشيء كان له حكمه.

حكم المسألة:

يختلف حكم إنعاش الخديج الذي لم يكمل ستة أشهر باختلاف عمره الحملي، ومدى استجابته للإنعاش، فمن كان عمره قريباً من ستة أشهر وظهر للطبيب قابليته للإنعاش وأنه سيستفيد منه ليعيش سليماً معافى، أو بإعاقات بسيطة وجب إنعاشه وحرم تركه وذلك للعمومات الدالة على وجوب إنقاذ الأنفس المعصومة من الهلاك وقد سبق ذكر شيء منها.

أما الخديج الذي غلب على ظن الطبيب عدم استجابته للإنعاش وأنه إن عاش فسيعيش بإعاقات خطيرة فلا يجب إنعاشه، وبه صدر قرار مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، وذلك لما يلي:

  • الموازنة بين الضرورات المتعلقة بمسألة إنعاش الخديج وهي: ضرورة حفظ النفس والمال والعقل.

فتقدم ضرورة حفظ المال فيمن هذه حاله وتراعى، لأن ضرورة حفظ النفس والعقل مشكوك في تحصيلها، بل يغلب على الظن فواتها.

  • القاعدة الفقهية: إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفهما، والخديج المولود لأقل من ستة أشهر وغلب على ظن الطبيب عدم استجابته للإنعاش تعتريه مفسدتان: أحدهما، مفسدة رفع الإنعاش عنه، وثانيهما، مفسدة إنعاشه مع غلبة الظن بعدم استفادته منه وما يترتب على ذلك من خسائر مادية جسيمة.

وبالنظر في هاتين المفسدتين، فإن مفسدة ترك الإنعاش أخف من مفسدة الإنعاش مع عدم الاستفادة منه.

 

الملاحق:

أولا: قرار مجلس هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية:

أولاً: التأكيد على حرمة النفس البشرية ووجوب بذل الأسباب لحفظها…

ثانياً: من ولد من الأطفال وقد تجاوز حمله ستة أشهر وجب بذل الأسباب لإنعاشه، لأن الحمل قد تم له ستة أشهر لقول الله –تعالى-: ﴿ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ﴾ [الأحقاف:15]، مع قوله – سبحانه -: ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة:233].

فالآية الأولى حددت مدة الرضاع عامان -أربعة وعشرون شهراً- فبقي لمدة الحمل ستة أشهر.

ولا يجو تأخير إنعاش من تم له ستة أشهر لحين أخذ الإذن من وليه، بل يبادر به حتى لا يلحقه الضرر، وإن رفض الولي الإنعاش مع حاجة الخديج إليه لم يعتد برفضه.

ثالثاً: من ولد قبل أن تبلغ مدة الحمل ستة أشهر فحينئذ ينظر طبيبان مختصان في حالته، فإن غلب على ظنهما انتفاعه بالإنعاش فإنه ينعش وتبذل الأسباب لإنقاذه

فلا يكفي للحكم بمدى استجابة الخديج للإنعاش طبيب واحد من أطباء حديثي الولادة، بل لابد من أثنين أو أكثر”.

 

ثانيا: قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي في مسألة إذن المريض:

“ثالثاً: إذن المريض: أ- يشترط إذن المريض للعلاج إذا كان تام الأهلية، فإن كان عديم الأهلية أو ناقصها اعتبر إذن وليه حسب ترتيب الولاية الشرعية ووفقاً لأحكامها التي تحصر تصرف الولي فيما فيه منفعة المولى عليه ومصلحته ورفع الأذى عنه، على أن لا يعتد بتصرف الولي في عدم الإذن إذا كان واضح الضرر بالمولى عليه، وينتقل الحق إلى غيره من الأولياء ثم إلي ولي الأمر.

ج- في حالات الإسعاف التي تتعرض فيها حياة المصاب للخطر لا يتوقف العلاج على الإذن.”

وكذلك صدر قرار المجمع في القضايا المتعلقة بالإذن بالعلاج في الحالات المستعجلة، حيث جاء فيه:

“1- يقصد بالحالات المستعجلة: الحالات المرضية التي تستدعي إجراء عمل علاجي أو جراحي دون أي تأخير: نظراً لخطورة الوضع الصحي الذي يعاني منه المريض، إنقاذاً لحياته أو أو منعا لتلف عضو من أعضائه.”

 

 

 

المراجع

– إنعاش الخديج دراسة فقهية تأصيلية، د. صالح بن عبد العزيز الغليقة، ضمن بحوث مؤتمر الفقه الإسلامي الثاني – قضايا طبية معاصرة – المجلد الثالث، 1431هـ.
– حكم إنعاش الخديج صغير الوزن، د. محمد بن هائل المدحجي، موقع الملتقى الفقهي. fiqh.islammessage.com
– مقال: الأطفال حديثو الولادة وعوامل الخطورة التي تهدد حياتهم، جريدة الشرط الأوسط الجمعة،1 يناير 2016م.
– الإنعاش، د. محمد المختار السلامي، ضمن بحوث الدورة الثانية لمجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي.
– الخدائج من هم؟ وما هي أمراضهم؟، د. عبد الله زهير رهبيني، مجلة الثقافة الصحية تصدر عن مستشفى قوى الأمن [ع94، ربيع ثاني، 1424هـ]
– الخداج، د. ميسره عبد الحميد، مجلة العلوم والتقنية، تصدر عن مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية [ع 53، محرم، 1421هـ]
– الوجيز في طب الأطفال، ترجمة وإعداد: عماد محمد زوكار، تقديم: أ. د. عصام أنجق، دار القدس للعلوم، ط1، 2006م.
– قرار مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية في دورتيه [67و 68] 27 /2/1429هـ، قرار رقم [231].
– قرارات مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي:
[الدورة 19، 1- 5/5 /1430هـ] قرار رقم [184] بشأن الإذن في العمليات الطبية المستعجلة.
– [الدورة 7، 7-12/11 /1412هـ] قرار رقم [67] بشأن أحكام التداوي.
– [الدورة 18] قرار رقم [172] بشأن اتخاذ التدابير الطبية اللازمة في الحالات الإسعافية [طب الطوارئ].

مسائل ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى