قسم الأقليات المسلمةباب الفرقة بين الزوجين

طلاق القاضي غير المسلم

مسألة رقم 44

العناوين المرادفة

طلاق المحاكم في الغرب.
الطلاق المدني في الغرب.

صورة المسألة

أن يتأزم الأمر بين الزوجين فترفع المرأة أمرها إلى المحاكم الوضعية في البلاد الأجنبية، فيقوم القاضي غير المسلم بتطليقها عملاً بمواد القانون الوضعي التي يحكم بمقتضاها، فما حكم هذا الطلاق هل يلزم ظاهرا وباطنا؟ وهل يجوز لهما البقاء معا بعد الطلاق المذكور؟.

حكم المسألة

اختلفت كلمة المجامع الفقهية في هذه المسألة إلى ثلاثة اتجاهات:

الاتجاه الأول: هو لمجمع فقهاء الشريعة بأمريكا الشمالية.

ومؤداه أن الطلاق الذي يصدره القاضي غير المسلم لا يعتد به، وأن المرأة إذا أرادت الطلاق فعليها أن ترفع الأمر إلى المراكز الإسلامية حتى يحكم لها.

جاء في نص البيان الختامي للمؤتمر الثاني لمجمع فقهاء الشريعة بأمريكا([1]):

أنه إذا طلق الرجل زوجته طلاقاً شرعياً فلا حرج في توثيقه أمام المحاكم الوضعية، أما إذا تنازع الزوجان حول الطلاق فإن المراكز الإسلامية تقوم مقام القضاء الشرعي عند انعدامه، بعد استيفاء الإجراءات القانونية اللازمة.

وأن اللجوء إلى القضاء الوضعي لإنهاء الزواج من الناحية القانونية لا يترتب عليه وحده إنهاء الزواج من الناحية الشرعية، فإذا حصلت المرأة على الطلاق المدني فإنها تتوجه به إلى المراكز الإسلامية لإتمام الأمر من الناحية الشرعية، ولا وجه للاحتجاج بالضرورة في هذه الحالة لتوافر المراكز الإسلامية وسهولة الرجوع إليها في مختلف المناطق.

 

– وفي فتوى لأمين مجمع فقهاء أمريكا الشمالية:

الطلاق المدني يحل عقدة الزواج مدنياً أمام القانون، ولكن يبقى أن عقدة الزواج الشرعية لا يحلها إلا الزوج، أو القاضي الشرعي، أو من يقوم مقامه خارج ديار الإسلام، وهم أئمة المراكز الإسلامية والقائمون على الشئون الأسرية بها، فإذا ما فرغت من الجانب القانوني فاذهبي إلى المسجد ومعك الوثيقة، ويتولى إمام المركز مراسلته وطلب الطلاق منه، فإن أبى فإنه يستطيع أن يطلق عليه للضرر، وأمامك أن تلجئي إلى القضاء الشرعي في لبنان ليتولى أمر تطليقك مدنياً للضرر، أي الأمرين سلكت برئت به ذمتك إن شاء الله، ولكن الطلاق المدني وحده لا يكفي لبراءة الذمة ولا يكفي لاعتبار العلاقة الزوجية منتهية، ولا تحلين به لزوج جديد… والله تعالى أعلى وأعلم.

وجاء في بحث التفـريق القضائي من خلال قنـوات مجلس الشـريعة الإسـلامية للدكتور/ صهيب حسن – المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث:

أما إذا كان الحكم صادراً من حاكم غير مسلم فغير مقبول تماماً، ولا يتم الفسخ بحكمه أبداً لأن الكافر ليس بأهل للقضاء على المسلم كما هو مصرحٌ في جميع كتب الفقه([2]).

 

الاتجاه الثاني: وقوع الطلاق وهو رأي المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث([3]) حيث جعل طلاق القاضي الأجنبي للمسلمين ملزماً معتمداً على أن من عقد زواجه في هذه البلاد يعد راضياً رضاء ضمنياً بأحكام هذه البلد، وهذا يقبل حكم القاضي غير المسلم في التطليق؛ لأن المجمع جعل من الزوج مفوضاً للقاضي في إمضاء الطلاق، عملاً بقاعدة المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً.

ونص قرار المجلس:

الأصل أن المسلم لا يرجع في قضائه إلا إلى قاضٍ مسلم أو من يقوم مقامه، غير أنه بسبب غياب قضاء إسلامي حتى الآن يتحاكم إليه المسلمون في غير البلاد الإسلامية، فإنه يتعين على المسلم الذي أجرى عقد زواجه وفق قوانين هذه البلاد، تنفيذ قرار القاضي غير المسلم بالطلاق؛ لأن هذا المسلم لما عقد زواجه وفق هذا القانون غير الإسلامي، فقد رضي ضمنًا بنتائجه، ومنها أن هذا العقد لا يحل عروته إلا القاضي، وهو ما يمكن اعتباره تفويضًا من الزوج جائزًا له شرعًا عند الجمهور، ولو لم يصرح بذلك، لأن القاعدة الفقهية تقول (المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً)، وتنفيذ أحكام القضاء ولو كان غير إسلامي جائز من باب جلب المصالح ودفع المفاسد وحسمًا للفوضى، كما أفاده كلام غير واحد من حذاق العلماء كالعز بن عبد السلام وابن تيمية والشاطبي.

 

2- وفي دراسة قام بها الشيخ فيصل مولوي نائب رئيس المجلس الأوربي –رحمه الله([4]):

التكييف الشرعي لحكم الطلاق الصادر عن قاض غير مسلم بحق المسلم خارج ديار الإسلام، أي وفق القانون الوضعي المخالف للشريعة.

فبدأ بحصر المسألة في حكم تطليق المسلم بقانون الدولة المضيفة الوضعي، وحدد عددا من الصور المحتملة لهذه الحالة، وتشمل حالة عقد القران وفق الأحكام الشرعية، وفيها يلزم اللجوء للأحكام ذاتها لفسخ عقد القران، أو وفق أحكام إسلامية بين زوجين أحدهما مسلم والآخر أجنبي، وفيها يغلب تطبيق قوانين الدولة الأوروبية، وفيها يخضع الزوجان لقانون الدولة كأمر واقع.

ويخلص إلى أن الحكم القضائي الصادر عن مرجع أوروبي غير مسلم ملزم للزوجين شرعا، كما هو ملزم قانونا وفق عدد من الأدلة الفقهية قبل أن تعقد مقارنة بين أنواع أحكام الطلاق حسب القوانين الأوروبية والقواعد الشرعية.

الاتجاه الثالث: التفصيل وخلاصة هذا القول أنه ما وقع من الطلاق في هذه المحاكم موافقاً لشرع الله أمضي، وما وقع مخالفاً لشرع الله فهو لغو ولا تأثير له، لقوله ﷺ : “من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد”([5]).

ومما ورد في البحث المشار إليه:

ليس وجود المسلمين في الغرب وعدم الاعتراف بعقودهم عذر يبيح لأحد ترك التحاكم لشرع الله أو الرضى بحكم غيره، وقد نفى الله الإيمان عمن تحاكم إلى غير شرعه قال تعالى: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [النساء/65].

وليس هناك ضرورة حتى نتذرع بها إلى الرضا بأحكام الكفر؛ إذ بوسع المسلمين إن لم يتمكنوا من إجراء الطلاق الشرعي في الغرب أن يجروه في البلاد الإسلامية أو يوكلوا من ينوب عنهم في هذا الأمر.

وقال أيضا: والذي نخلص إليه بعد هذا كله أن الطلاق في المحاكم الغربية واقع بين الكفار ولا يقع بين المسلمين إلا إذا وافق شرع الله ودينه([6]).

ويشكل على هذا القول أنه لم يبين المقصود بموافقته لشرع الله، ولعل المراد أنه إذا كان الطلاق لدفع ضرر عظيم عن المرأة لكون الرجل يعتدي عليها بالضرب المبرح مرارا فيقع الطلاق، وإن كان الطلاق لكونه تزوج عليها أخرى فلا يصح ولا شك أن غالب حوارات الطلاق في تلك المحاكم تكون لأجل الضرر الواقع على المرأة من اعتداء الزوج أوكراهيتها له. وأما إن كان يقصد شيئا آخر فليس بظاهر.


([1]) المنعقد بكوبنهاجن- الدانمارك مع الرابطة الإسلامية، في الفترة من 4-7 من شهر جمادى الأولى لعام 1425هـ الموافق 22-25، من يونيو لعام 2004م

([2]) موقع المجلس الأوربي للبحوث والإفتاء.

([3]) قرار المجلس الأوربي للبحوث والإفتاء رقم 3/5

([4]) حكم الطلاق الصادر عن قاض غير مسلم.- المجلة العلمية للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث (دبلن):- 1, 1, . 75 – 88

([5]) أحكام الأحوال الشخصية للمسلمين في الغرب ص 618.

([6]) أحكام الأحوال الشخصية للمسلمين في الغرب ص 618.

المراجع

• موقع مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا.
• موقع المجلس الأوربي للبحوث والإفتاء.
• بحث التفـريق القضائي من خلال قنـوات مجلس الشـريعة الإسـلامية د. صهيب حسن للمجلس الأوروبى للإفتاء والبحوث في دورته الثالثة عشرة.
• المجلة العلمية للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث (دبلن).
• موقع المجمع الفقهي الإسلامي
• أحكام الأحوال الشخصية للمسلمين في الغرب.
• حكم الطلاق الصادر عن قاض غير مسلم.- المجلة العلمية للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث (دبلن):- 1, 1, pp. 75 – 88

مسائل ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى