قسم الجنايات والقضاء والعلاقات الدوليةباب الحدود

سرقة الموظفين من أموال البنك

مسألة رقم 278

العناوين المرادفة

1. خيانة موظفي البنوك.
2. اختلاس أموال البنوك.

صورة المسألة

إذا قام أحد موظفي البنك بتحويل الأموال من رصيد بعض العملاء أو الخزانة العامة للبنك إلى حساب وهمي ينشئه لغرض اختلاس الأموال التابعة للبنك سواء كانت خاصة أو عامة، يرد السؤال في العقوبة المترتبة من جراء هذا الفعل؟
وبعبارة أخرى: هل يصدق على هذا الفعل المفهوم الشرعي للسرقة فيترتب عليه آثارها؟

حكم المسألة

لا يخلو حال موظفي البنك إذا حصل منهم اعتداء على أموال البنك من إحدى صورتين:

الصورة الأولى: أن يكون موظف البنك مصرحا له بالدخول إلى الأموال الخاصة بالبنك، فإذا أخلّ بالأمانة، وسرق من هذه الأموال يكون حينئذ خائنا لا سارقاً، ومن ثم يترتب على هذا الفعل التعزير دون القطع.

وهذا لا خلاف فيه سوى ما يروى عن الحنابلة في رواية عندهم أن الخيانة بجحد العارية خاصة توجب القطع، وسند هذه الرواية ما روته عائشة – رضي الله عنه – (أن امرأة كانت تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبي – صلى الله عليه وسلم – بقطع يدها….) ]أخرجه مسلم برقم: (1688) 3/1316[.

ونوقش من وجوه:

الأول: أن القطع الحاصل لهذه المرأة واقع بسبب السرقة دون الخيانة؛ بدليل ما ورد في آخر الحديث: (…إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه).

الثاني: أن الواجب قطع يد السارق، والجاحد خائن، والخائن لا تقطع يده بدلالة النص، وقياسا على جاحد الوديعة.

الثالث: أن الخائن غير سارق من حرز، والقطع يعتبر له الحرز باتفاق الفقهاء.

واستدل جماهير الفقهاء – رحمهم الله تعالى – على أن الخائن لا تقطع يده بما يلي:

  1. ما رواه جابر- رضي الله عنه- أن النبي- ﷺ- قال: (ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع)] أخرجه الترمذي برقم: ( 1472)، 5/7 [.

وجه الدلالة: أن موظف البنك إذا كان مصرحا له بالدخول إلى الأموال التابعة له، وسرق منها يكون خائنا لما اؤتمن عليه، والخائن لا تقطع يده بنص الحديث.

  1. أن الخيانة لا تندرج تحت مفهوم السرقة لا من جهة اللغة، ولا من عرف صاحب الشرع؛ بل لكل منهما لفظ يخصه، فدل ذلك على أنهما متغايران في المعنى، ومن ثم ينحصر سبب القطع في السرقة دون غيره.

الحالة الثانية: أن يكون الموظف غير مصرح له بالدخول إلى أموال البنك وحساباته، فهذا إذا سرق منها يكون حكمه مخرَّجا على من أُذن له بالدخول في الدار، ثم سرق في مكان حجب عنه كالضيف، وقد اختلف الفقهاء – رحمهم الله تعالى – في مدى دخول هذا النوع من الاعتداء على الأموال في مفهوم السرقة الموجبة للقطع على اتجاهين:

 

الاتجاه الأول: أنه لا يعد سرقة، وإنما يوصف فاعله بالخيانة، وهذا هو قول الحنفية والمالكية، ومقتضى ذلك: أن موظف البنك إذا سرق من أمواله التي لم يؤذن له بالدخول فيها يكون خائنا لا سارقا.

وعللوا ذلك بدليلين:

  1. قوله – عليه الصلاة والسلام- : (ادرؤوا الحدود بالشبهات)] أخرجه البيهقي برقم:( 16347) 2/133 وضعفه الألباني[.

وجه الدلالة: أن كون السارق موظفاً في البنك شبهة قوية تدرأ عنه الحد.

نوقش: أن سرقة الضيف في مكان حُجب عنه سرقة من حرز معتبر خال عن الشبهة.

  1. أن الدار حرز بنفسها لا بالحافظ، ومن ثم إذا أذن للضيف بالدخول في الدار صار في حكم أهله، فإذا سرق المال في هذه الحالة يكون خائنا لا سارقا؛ لانتفاء مفهوم الحرز في المال المأخوذ.

نوقش من وجهين:

الأول: يرد على المقدمة الأولى: “أن الدار حرز بنفسها” أنه استدلال بمحل النزاع، ومن ثم لا يجوز تركيب هذه المقدمة في الاستدلال لإنتاج الحكم المدعى؛ لكونه يفضي إلى الدور.

الثاني: يرد على المقدمة الثانية: أن الإذن بالدخول في الدار لا يستلزم الإذن المطلق ضرورة أن الأعم لا يستلزم الأخص، ومن ثم إذا سرق في محل حجب عنه يكون سارقا لا خائنا لتحقق مفهوم الحرز في المال المأخوذ.

 

الاتجاه الثاني: أنه يعد سرقة موجبة للقطع، وهو مذهب الشافعية والحنابلة، ومقتضى ذلك: أن موظف البنك إذا سرق من أمواله التي لم يؤذن له بالدخول فيها يكون سارقا يقطع بسببه.

واستدلوا على ذلك بدليلين:

  1. أن أسود بات عند أبي بكر الصديق – رضي الله عنه – فسرق حليا لهم، فأمر به أبوبكر فأقيم عليه الحد. [أخرجه عبدالرزاق في المصنف برقم: (18774) 10/188، وصحح الذهبي إسناده].

نوقش: أنه يحتمل أن يكون سرق في دار النساء دون دار الرجال، فعلى هذا التقدير لا ينتهض حجة لقطع الضيف لوجود الاحتمال المؤثر في مدلول الدليل.

  1. ولأنه آخذٌ للمال خفية في حرزه المعتبر فوجب عليه الحد كما لو سرق غير الضيف.

نوقش: أن الإذن في الدخول يخل بالحرز، ومن ثم يكون أخذه للمال في هذه الحالة – أخذٌ من غير حرز؛ فلا يوجب القطع لانتفاء شرطه.

المراجع

1. الاعتداء الإلكتروني- دراسةً فقهيةً، د. عبد العزيز بن إبراهيم الشبل.
2. بحوث ندوة الجريمة الإلكترونية: التشريعات والأنظمة، كلية الملك فهد الأمنية.
3. بدائع الصنائع لعلاء الدين أبو بكر بن مسعود الكاساني الحنفي(ت 587هـ)
4. البيان والتحصيل لأبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (ت 450هـ)
5. الحاوي الكبير لأبي الحسن علي بن محمد البغداء الماوردي الشافعي (ت 450 هـ)
6. المغني لأبي محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي الحنبلي (ت 620هـ).

مسائل ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى