قسم الجنايات والقضاء والعلاقات الدوليةباب مسائل القضاء

بصمة اليد

مسألة رقم 197

العناوين المرادفة

اعتبار بصمة اليد في الإثبات.
آثار اليدين

صورة المسألة

نتيجة للتطور العلمي الحديث فقد أصبح بالإمكان من خلال التحقق من بصمة اليدين ومطابقتها بالآثار الموجودة في محل الحادثة التأكد من هوية الشخص الموجود في ذلك المحل ومقارنتها ببصمات أيدي المشتبه بهم، فهل يصح الاعتماد على بصمات اليدين في الإثبات؟

حكم المسألة

البصمات من الأمور الحديثة التي لم يبدأ العمل بها إلا في عام 1858م، وبما أن شريعة الإسلام قائمة على جلب المصالح ودرء المفاسد، وهي – أيضاً – مما يحث على العلم، وتأمر بالسعي إلى تحصيله، والاستفادة من كل ما من شأنه أن يبصّر الأمة ويرفع الجهل عنها، فإن أهل العلم المعاصرين لم يمنعوا أبداً من الأخذ بعلم البصمات والاستفادة منه في مجالاته المختلفة، ولا سيما وأن علم البصمات من العلوم الحديثة، التي تقوم على أسس علمية محكمة، يطمئن الإنسان معها إلى النتائج المستخلصة.

ومن خلال النظر في الكثير من البحوث والدراسات التي أجريت في هذا المجال نجد أنها قد أكدت بما لا يدع مجالاً للشك ثبات بصمات الإنسان، وعدم تغيرها مع مرور الزمن، كما أنه لا يمكن أن تتطابق بصمتان لشخصين مختلفين تطابقاً كاملاً، حتى ولو كانا توأمين، مما حدا ببعض المعاصرين إلى اعتبار البصمات حجة قوية في الإثبات، وقرينة قاطعة يؤخذ بها في سائر الحقوق حتى في الحدود والقصاص، بل إن البعض يرى الاعتماد عليها أكثر من الاعتماد على الشهود؛ لأن مقال الشاهد إخبار ظني يحتمل الكذب، وشهادة البصمة يقينية لا تكذب.

وقد أيد من عمم الحكم ببصمات اليدين واعتبارها قرينة قاطعة يؤخذ بها في سائر الحقوق حتى في الحدود والقصاص بأن القول بعدم اعتبار البصمة من أدلة الإثبات ينتج عنه إهمال كل ما من شأنه أن يبين الحق ويظهر الأمر بحجة عدم وجود الدليل الذي يدين، فينقلب الحال إلى تسهيل الأمر على المجرمين، وفتح الطريق أمامهم، وفي هذا مصادمة لروح الشريعة ومقاصدها.

واختار بعض الباحثين التفصيل الآتي:

أولاً: أن مطابقة البصمات حجة قوية، يجوز العمل بها والاعتماد عليها في إثبات وجود صاحب البصمة في المكان الذي وجد فيه أثر بصمته، وأنه لا بأس من العمل بها في سائر الحقوق ما عدا الحدود والقصاص، ومما استدل به ما يأتي:

1-عموم الأدلة الدالة على مشروعية العمل بالقرائن القوية، واعتبارها وسيلة من وسائل الإثبات، ولا شك أن مطابقة البصمات من أقوى القرائن المعاصرة، وعليها التعويل في الكثير من القضايا في وقتنا الحاضر.

2-أن البينة اسم لكل ما يبين الحق ويظهره كما نص على ذلك ابن القيم رحمه الله، وفي هذا يقول: “فإن الله تعالى أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به الأرض والسماوات، فإذا ظهرت أمارات العدل وأسفر بوجهه بأي طريق كان فثمّ شرع الله ودينه “.

3-أن احتمال الخطأ في دلالة البصمة نادر جداً من حيث العمل البشري الذي يقوم به الخبير؛ لأن مهمة خبير البصمات أن يبحث في مكان الجريمة عن البصمة، فإذا وجدها رفعها، ثم يطابقها مع ما عنده من البصمات المحفوظة، ومعظم هذه الأمور تتم بطرق كيميائية دقيقة لا يكون للبشر فيها إلا دور المراقبة وقراءة النتائج، وإعطاء الحكم، كما أن الذي يتولاه أكثر من خبير، ومع ذلك لا تقبل أقوالهم إلا بعد أن تثبت خبرتهم، إلى غير ذلك من الإجراءات الدقيقة.

4-أن هذا القول هو الذي يتمشى مع مقاصد الشريعة في الحد من الجريمة، واجتراء المجرمين، وحفظ الأنفس والأموال والأعراض، كما أن في اعتباره إعانة لأهل الاختصاص والقضاة للوصول إلى الجناة، ولا شك أن مثل هذا مما يعين على استقرار المجتمع، وانتشار الأمن فيه.

5-أما عدم العمل بالبصمات في إقامة الحدود والقصاص فلأنه ثمة احتمالات كثيرة هي في واقع الأمر شبهات تمنع من إقامة الحد، ومعلوم أن الحدود تدرأ بالشبهات، فوجود المتهم في مكان السرقة لا يلزم منه كونه سارقاً؛ لاحتمال أنه حضر لهذا المكان لأمر مباح، أو وُجِد فيه بمحض الصدفة، أو بقصد السرقة لكنه لم يسرق، وهذه الاحتمالات شبهات لا يقام معها الحد.

كما أن وجود بصمة المتهم في مكان القتل ليس كافياً في إيجاب القصاص؛ لأنه من المحتمل أن يكون المتهم لمس هذا المقتول ليتأكد من حياته أو عدمها، أو يكون قد أمسك بالسلاح الذي حصل به القتل بعد أن رآه مرمياً، ويحتمل أنه الذي قتله ولكن كان فعله ذلك بمسوغ شرعي كما لو كان المقتول صائلاً لم يندفع إلا بالقتل، فكل هذه الاحتمالات يدرأ بها القصاص.

وقول من قال بأن عدم اعتبار البصمات قرينة قاطة في هذا ينتج عنه إهمال الحق والتسهيل على المجرمين أمر غير مسلم؛ لأنه لا يلزم من القول بعدم إقامة الحد أو القصاص بمطابقة البصمات القول بإطلاق المتهم دون مساءلة أو تأديب، بل إن هذه البصمات تورث شبهة قوية تستدعي التشديد في التحقيق مع المتهم، وقد يصل الأمر إلى تعزيره، إذا رأى الحاكم في ذلك مصلحة.

كما أنه يمكن اعتبار مطابقة البصمات من اللوث القوي الذي يدل على أن المتهم هو الجاني، مما يجيز لأولياء المقتول أن يحلفوا خمسين يميناً ليستحقوا بذلك القود أو الدية، فيكون القصاص حينئذ بسبب القسامة، لا بمجرد مطابقة البصمات، وفرق بين الأمرين.

 

ثانياً: ينبغي أن يقيد القول بجواز الاعتماد على البصمات بما إذا لم يتعارض ذلك مع شهادة الشهود، أو قرينة أقوى منها؛ لأن شهادة الشهود أقوى من غيرها من وسائل الإثبات، كما أن القرائن إذا تواردت على محل قدّم الأقوى منها، فوجود البصمة في المكان لا يخلو من احتمالات كثيرة – غير ارتكاب الجريمة – فإذا عضدت هذه الاحتمالات بشهادة شاهد، أو بقرائن قوية كان تقديمها على البصمات هو مقتضى العدل والإنصاف.

 

ثالثاً: إذا ثبت ما تقدم من اعتبار البصمات في إثبات وجود المتهم في مكان الحادث فإنه ينبغي أن يفرق في هذا المقام بين ما إذا كانت البصمات موجودة على شيء ثابت في مكان الحادث – ولا سيما في القضايا الجنائية – أو شيء متحرك يمكن نقله وترحيله.

فما كان منها على شيء متحرك فإن دلالتها على وجود صاحب البصمة في المكان دلالة ضعيفة، كما لو وجدت البصمة على منديل أو أوراق، أو سلاح ونحو ذلك؛ لأنه قد جرت عادة كثير من الجناة أن ينقلوا إلى مكان الحادث ما ليس منه مما يشتمل على بصمات الغير، وقد يكون ذلك الغير من الجناة والمجرمين الذين عهد عنهم الإجرام، فيضعونه في المكان؛ ليضللوا به المحققين، ويبعدوا التهمة عن أنفسهم.

المراجع

• القرائن المادية وأثرها في الإثبات (رسالة دكتوراه ـ كلية الشريعة ـ جامعة الإمام) د. زيد القرون (124- 165).
• القضاء بقرائن الأحوال لمحمد الديرشوي ص193.
• دور القرائن والأمارات في الإثبات لعوض أبو بكر ص436 في مجلة مجمع الفقه الإسلامي العدد الثاني عشر الجزء الثالث.
• حجية القرائن في الشريعة الإسلامية لعدنان عزايزه ص 180.
• الإثبات في الدعوى الجنائية لعلي الرويشد ص236.
• البصمات وسائل فحصها وحجيتها لأسامة الصغير ص26، 179، 186.
• الطب الشرعي ودوره الفني في البحث عن الجريمة لعبد الحميد المنشاوي ص49.
• الأدلة الجنائية لعبد الفتاح رياض ص299.
• علم البصمات واستخدامه لمحمد القين ص100ـ101.
• البصمات لضياء الدين فرحات ص107ـ110.
• كشف الجريمة بالوسائل العلمية الحديثة لعبد العزيز حمدي ص179-186.
• الدليل الجنائي المادي ودوره في إثبات جرائم القصاص لأحمد أبو القاسم 2/30.
• الوجيز في التحقيق الجنائي لنبيل العزبي ص323،.
• محاضرة عن بصمات الأصابع والأقدام والتطور المعاصر في علم البصمات للنقيب وليد السويدان ص30.
• البوليس العلمي أو فن التحقيق لرمسيس بهنام ص122.
• الآثار المادية ودورها في التحقيق الجنائي لأسامة محمد ص223-224.
• الأسس العلمية والتطبيقية للبصمات لمحمود محمد عبد الله ص215-219.
• الأدلة الجنائية لمنصور المعايطة وعبد المحسن المقذلي ص97.

مسائل ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى