قسم الجنايات والقضاء والعلاقات الدوليةباب الجنايات

المغالاة في الصلح على مال في القصاص

مسألة رقم 266

العناوين المرادفة

1. المبالغة في الديات.
2. الصلح بأكثر من الدية.
3. المصالحة على أكثر الدية.
4. المبالغة في طلب الفدية عن القاتل.

صورة المسألة

يطالب بعض أولياء المقتول – للتنازل عن القصاص الثابت بقتل النفس العمد العدوان – بمبالغ طائلة تفوق مقدار الدية الواجبة، فهل يحق للأولياء المطالبة بأكثرَ من قيمة الدية لقاء تنازلهم عن القصاص أم أن الصلح يجب أن يتوقف عند حدود الشارع؟

حكم المسألة

هذه المسألة تعرف في كتب الفقهاء المتقدمين – رحمهم الله تعالى – بالمصالحة على أكثر الدية، وقد اختلفوا فيها على ثلاثة اتجاهات مشهورة:

الاتجاه الأول: تجوز المصالحة على أكثر الدية مطلقا، سواء كان من جنسها أو من غيره، وهو مذهب الحنفية والمالكية، وقول عند الشافعية، والمشهور عند الحنابلة، وعليه العمل في المملكة العربية السعودية.

الاتجاه الثاني: تجوز المصالحة على أكثر الدية إذا كان مال الصلح من غير جنس الدية، وهو مذهب الشافعية، وقول عند الحنابلة.

الاتجاه الثالث: لا تجوز المصالحة على أكثر الدية؛ بل يلزم أولياء المقتول ما كان مساويا للدية أو دونها، وقال به بعض الحنفية، وهو وجه عند الحنابلة، وبه أفتت دار الإفتاء المصرية، ودار الإفتاء الليبية، وأفتى سماحة مفتى عام المملكة العربية السعودية بفتوى قريب، فقال: بتجنب المغالاة في الديات، وأنه ينافي القيم الإسلامية الأصيلة.

أدلة الاتجاه الأول:

استدل أصحاب الاتجاه الأول (القائلون بجواز المصالحة على أكثر الدية مطلقا سواء كان من جنسها أو من غيره) بجملة من الأدلة، أبرزها:

  1. قوله تعالى (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ۗ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ۗ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [البقرة: ١٧٨].

وجه الدلالة: أن الآية وردت مطلقة في تحديد مقدار الدية في حال العفو عن القصاص، ومن ثم يجوز أن يكون أكثر من المقدّر، وهو أبلغ في الإحسان المأمور به لقاء العفو.

  1. ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من قتل مؤمنا متعمدا دفع إلى أولياء المقتول، فإن شاءوا قتلوا، وإن شاءوا أخذوا الدية، وهي ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة، وما صالحوا عليه فهو لهم، وذلك لتشديد العقل) [أخرجه الترمذي برقم: (1387) 3/ 63، وحسنه الألباني].

3- ما روته عائشة – رضي الله عنها – أن النبي -ﷺ- بعث أبا جهم بن حذيفة مصدقا فلاجه رجل في صدقته، فضربه أبو جهم، فشجه، فأتوا النبي -ﷺ-، فقالوا: القود يا رسول الله، فقال النبي -ﷺ-: «لكم كذا وكذا» فلم يرضوا، فقال: «لكم كذا وكذا» فلم يرضوا، فقال: «لكم كذا وكذا» فرضوا، فقال النبي-ﷺ-: «إني خاطب العشية على الناس ومخبرهم برضاكم» فقالوا: نعم، فخطب رسول الله فقال -ﷺ-: «إن هؤلاء الليثيين أتوني يريدون القود، فعرضت عليهم كذا وكذا فرضوا، أرضيتم؟» قالوا: لا، فهم المهاجرون بهم، فأمرهم رسول الله -ﷺ- أن يكفوا عنهم، فكفوا، ثم دعاهم فزادهم، فقال: «أرضيتم؟» فقالوا: نعم، قال: «إني خاطب على الناس ومخبرهم برضاكم» قالوا: نعم، فخطب النبي -ﷺ-، فقال: «أرضيتم؟» قالوا: نعم)[أخرجه أبو داود برقم: 4534 4/181، وصححه الألباني].

وجه الدلالة: أن الحديث يدل على جواز النزول عن القصاص مقابل أكثر من قيمة الدية.

ونوقش: أن هذه النصوص وردت مطلقة، وقد ورد في السنة الثابتة تعيين مقادير الديات، والقاعدة: أن المطلق يحمل على المقيد إذا اتحدا في السبب والحكم باتفاق الأصوليين.

  1. أنه عوض عن غير مال فجاز النزول عن القصاص مقابل ما اتفقوا عليه؛ لأنه مال يتعلق باختيار المستحق والتزام الجاني فلا معنى لتقديره، كالصداق وعوض الخلع.
  2. أنه مما لا يجري فيه الربا فصح بالقليل والكثير من جنس الدية أو من غيرها.

نوقش القياسان من وجهين:

الأول: يرد عليهما فساد الاعتبار؛ لأنهما في مقابلة ما ثبت عن النبي –ﷺ– في تقدير الديات باعتبار أن المغالاة فيها في حال الصلح خروج عن توقيف الشارع.

الثاني: يرد عليهما الخلاف في الأصل؛ وذلك أن كون عوض الخلع يجوز بأكثر من قيمة الصداق محل خلاف بين الفقهاء، وكذلك جريان الربا في بعض أصول الديات.أأ

أدلة الاتجاه الثاني:

استدل أصحاب الاتجاه الثاني: (القائلون بجواز المصالحة على أكثر الدية إذا كان مال الصلح من غير جنس الدية) بدليلين:

  1. استدلوا بالأدلة العامة التي استدل بها جمهور الفقهاء أصحاب الاتجاه الأول على جواز المصالحة على أكثر الدية مطلقا؛ وذلك تأصيلا للجواز من حيث الجملة.

ويرد عليه: ما قيل: أنها أدلة عامة، والعام ظني لا يقوى على معارضة الخاص.

  1. استدلوا لصورة الاستثناء: وهي عدم جواز الصلح على أكثر الدية إذا كان من جنس الدية أن ذلك يفضي إلى الربا بناء على أن أصول الديات يجري فيها الربا عندهم.

فلو أخذ مائتين من الإبل مقابل الصلح على مائة من الإبل كان ذلك بمثابة التعويض عن مائة من الإبل بمائتين، وذلك ربا بناء على أن العلة الربوية عندهم الطعم.

أدلة الاتجاه الثالث:

استدلوا أصحاب الاتجاه الثالث (القائلون بمنع المصالحة على أكثر الدية مطلقا) بدليلين:

  1. حديث أبي شريح الخزاعي، أن النبي -ﷺ- قال: (من أصيب بقتل، أو خبل، فإنه يختار إحدى ثلاث: إما أن يقتص، وإما أن يعفو، وإما أن يأخذ الدية، فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه، ومن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم) [أخرجه أبو داود برقم: (4496) 4/169، وضعفه الألباني].

وجه الدلالة: أن الحديث دليل على أن للأولياء القصاص أو العفو مجانا أو العفو مع المطالبة بالدية، والمطالبة بأكثر من الدية خروج عن مفهوم الحصر؛ وذلك لا يجوز.

نوقش: أن حاصل هذا الاستدلال يعود إلى الاستدلال بالمفهوم، والمفهوم لا يقوى على معارضة منطوق الأدلة الثابتة عن النبي – صلى الله عليه وسلم – في جواز المصالحة على أكثر من الدية.

  1. ولأن الديات مقدرة، والمصالحة على أكثرها خروج عن التقدير الشرعي؛ فيكون ممنوعا.

 

ملحق المسألة: قرار دائرة الإفتاء الأردنية رقم: (26) الدية الشرعية وأحكامها.

بتاريخ: 25/ 6/ 1413هـ، الموافق: 19/ 12/ 1992م.

ورد إلينا سؤال يقول فيه صاحبه:

ما مقدار الدية الشرعية وما هي أحكامها؟

الجواب وبالله التوفيق:

قرر مجلس الإفتاء ما يلي:

أ‌- مقدار الدية:

  1. الأصل أن مقدار الدية الشرعية مئة من الإبل، ويجوز الحكم بقيمتها مقدرة بعملة البلد الذي صدر فيه الحكم.
  2. تحسب قيمة الإبل بأرخص أسعارها في الأقطار الإسلامية؛ لأنها كالبلد الواحد مضافاً إليها أجرة النقل.
  3. تغلظ الدية في القتل العمد وشبه العمد ولذا يضاف على قيمتها مقدار ثلثها.
  4. يتم تشكيل لجنة من القضاة والخبراء لتحديد قيمة الدية بالعملة الأردنية وفق هذه الأسس كلما دعت الحاجة.

والله تعالى أعلم.

المراجع

1. تفسير القرآن العظيم، لأبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي (ت 774هـ)
2. دار الإفتاء المصرية (www.dar-alifta.org) فتوى رقم: (2522).
3. دائرة الإفتاء العام الأردنية (www.aliftaa.jo) قرار رقم: (26).
4. زاد المعاد لأبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية (ت751هـ).
5. شرح الزرقاني على مختصر خليل لعبد الباقي بن يوسف بن أحمد الزرقاني المصري (ت: 1099هـ).
6. الصلح عن الجنايات مع تطبيقات معاصرة، إعداد: أحمد بن سليمان العريني، رسالة ماجستير بالمعهد العالي للقضاء، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، عام: 1415 ه الموافق: 1995م.
7. كشاف القناع لمنصور بن يونس البهوتي الحنبلي (ت: 1051 ه‍).
8. المغالاة في العوض للنزول عن القصاص، إعداد: مازن الخليفة، ماجستير بقسم السياسة الجنائية – جامعة نائف العربية للعلوم الأمنية، عام: 1431 ه / 2010 م.
9. المغني لأبي محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي الحنبلي (ت 620 هـ).
10. نهاية المحتاج لشهاب الدين محمد بن أبي العباس أحمد بن حمزة الرملي (ت 1004هـ).
11. نيل الأوطار لمحمد بن علي بن محمد الشوكاني اليمني (ت 1250هـ).
12. الهداية لأبي الحسن علي بن أبي بكر بن عبد الجليل المرغيناني، (ت 593هـ).

مسائل ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى