قسم الجنايات والقضاء والعلاقات الدوليةباب الجنايات

الجناية باستعمال الغاز

مسألة رقم 229

العناوين المرادفة

1. القتل بالغاز.
2. الاعتداء بالغاز.

صورة المسألة

إذا تسرب الغاز من العبوة بحادث عرضي أو حصل تهريب من الفرن أو قصد شخص فتح عبوته ليقتل به شخصا أو أكثر أثناء النوم أو حال غفلتهم عن طريق خنقهم بمادة الغاز، فإن السؤال يرد في الأحكام الشرعية المترتبة على هذه الصور؟

حكم المسألة

تقرر أن الجناية الحاصلة على سبيل الخطأ لا توجب القصاص، وإنما توجب الدية والكفارة؛ وبالتالي فإن الاعتداء الواقع على الإنسان بالغاز بسبب خطأ لا يوجب القود لانتفاء شرطه.

وأما إذا كان الجاني قاصدا للجناية – كما في الصور الأخرى – الواردة في مقام التصوير، فإن هذه المسألة خرّجها الباحثون على القتل بالخنق لاشتراكهما في المعنى؛ بناء على أن الغاز يسبب الاختناق مما يؤدي إلى إيقاف الجهاز التنفسي، الذي بدوره يؤدي إلى الوفاة، والقتل بالخنق من جملة صور القتل بالمثقل التي اختلف في موجَبها الفقهاء المتقدمون على اتجاهين:

الاتجاه الأول: أن القتل بالخنق يوجب القصاص، وهو مذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة، وقول الصاحبين أبي يوسف، ومحمد بن الحسن الشيباني، ومقتضى ذلك: أن القتل بالغاز عمدٌ يوجب القصاص.

الاتجاه الثاني: أن القتل بالخنق يوجب الدية على العاقلة، وهو مذهب أبي حنيفة، ومقتضاه: أن القتل بالغاز خطأ يوجب الدية دون القصاص.

استدل أصحاب الاتجاه الأول-القائلون بثبوت القصاص بالقتل بالخنق – بجملة من الأدلة، أبرزها:

  1. قوله تعالى: (وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا ) [الإسراء:33].

وجه الدلالة: أن المقتول بالخنق قد قُتِل مظلوما، فوجب أن يكون لوليه القود؛ بدليل أنه أعقبه بالنهي عن الإسراف في القتل في قوله: (فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ) [الإسراء: ٣٣].

ما رواه أنس– رضي الله عنه- أن النبي– ﷺ– رضّ رأس اليهودي الذي رض رأس الجارية. [أخرجه البخاري برقم: (2413) 3/121، ومسلم برقم: (1672) 3/1299].

وجه الدلالة: أن القتل بالخنق في معناه؛ فوجب أن يكون موجبا للقود بشرطه.

نوقش: أن قتل اليهودي كان بسبب نقض العهد، وليس ذلك راجعا إلى القود.

  1. أن القتل بالخنق قتلٌ عمدٌ عدوان؛ فوجب أن يكون فيه القصاص كالقتل بالمحدد.

ولأن القود مشروع لحراسة النفوس بدليل قوله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) [البقرة:179] والقتل بالخنق اعتداء عليها؛ فلزم منه أن يكون موجبا للقصاص؛ وإلا أدى إلى تعطيله.

  1. ولأن الخنق عامل في إزهاق الروح بنفسه، والجارح مزهق بطريق الجراحة؛ فكان أولى.

استدل أصحاب الاتجاه الثاني – القائلون بثبوت الدية به – بأدلة من أبرزها:

  1. قوله – عليه الصلاة والسلام – : (لا قود إلا بالسيف). [أخرجه ابن ماجه برقم: (2667) 2/889، والدارقطني برقم: (3109) 4/69، وضعفه أهل العلم]
  2. وقوله: (لا قود إلا بحديدة). [أخرجه الدارقطني برقم: (3110) 4/70، وضعفه كثير من أهل العلم].
  3. وقوله: (كل شيء خطأ إلا السيف). [أخرجه الدارقطني برقم: (3176) 4/105، وضعفه كثير من أهل النقل].

وجه الدلالة: أن “لا” النافية للجنس تدل على العموم؛ وبالتالي فإن القصاص يختص بالسيف على سبيل الحصر، وهذا ما فهمه الصحابة – رضي الله عنهم – كما روي ذلك عن علي وابن مسعود -رضي الله عنهما – أنهما قالا: “العمد السلاح”. [أخرجه عبدالرزاق في مصنفه برقم: (17174) 9/271، وابن أبي شيبة برقم: (27675) 5/427].

ونوقش من وجهين:

الأول: أن الأحاديث كلها ضعيفة لا تثبت عند أئمة النقل، ومن ثم فلا تنهض لإثبات الحكم المدعي في صورة النزاع.

الثاني: أن المراد بالحديثين الأولين حال الاستيفاء؛ وذلك يختلف عن آلة الجناية، والقاعدة: “أن الكلام إذا سيق لمعنى لا يحتج به في معنى غيره”.

  1. ما رواه المغيرة بن شعبة – رضي الله عنه – قال: (أن امرأة ضربت ضرتها بعمود فسطاط، وهي حبلى؛ فقتلتها، فقضى رسول الله – ﷺ – بديتها على عصبتها). [أخرجه البخاري برقم: (6910) 9/11، ومسلم برقم: (1682) 3/1311].

وجه الدلالة: أن الحديث دليل على سقوط القود بالقتل بالمثقل، والقتل بالخنق من جملة صوره فيتناوله الحكم.

نوقش: أن الحكم الوارد في هذا الحديث يتعلق بقضية عين، وقضايا الأعيان لا يتمسك بعمومها في إثبات الأحكام نظرا إلى خصوصيتها المانعة من الإلحاق.

  1. أنه لا فرق بين صغير المحدد وكبيره في إيجاب القود؛ فيجب أن يكون كبير المثقل لا يوجب القود كصغيره.

نوقش: أن هذا القياس فاسد الاعتبار؛ لأنه على خلاف ما تواتر من النصوص في إثبات القصاص بحصول الجناية على النفس على وجه العمد العدوان إذا توافر سائر شروطه.

المراجع

1. بدائع الصنائع لعلاء الدين أبوبكر بن سعود الكاساني (ت 587 هـ).
2. البيان والتحصيل لأبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد (ت 520 هـ).
3. التاج والإكليل لمختصر خليل لمحمد بن يوسف الموّاق (ت 897 هـ).
4. الحاوي الكبير لأبي الحسن علي بن محمد الماوردي (ت 450 هـ).
5. روضة الطالبين وعمدة المفتين لأبي زكريا محي الدين النووي (ت 676 هـ).
6. القتل بالوسائل الحديثة صوره وأنواعه – دراسة فقهية مقارنة، أحمد محمد نوفل، ماجستير، جامعة النجاح الوطنية، المستودع الرقمي:
(https://www.najah.edu/ar)
7. المبدع في شرح المقنع لإبراهيم بن محمد بن مفلح (ت 884 هـ).
8. المبسوط لمحمد بن أحمد السرخسي (ت 483 هـ).
9. المغني لأبي محمد عبدالله بن أحمد بن قدامة المقدسي (ت 620 هـ).

مسائل ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى