قسم الفقه الطّبيباب الانتفاعات الطبية

الانتفاع بالأجنة الفائضة عن الحاجة

المسألة رقم 16

صورة المسألة

الأجنة الفائضة: هي الأجنة التي تم الحصول عليها من عملية التلقيح الصناعي خارج الرحم، والحصول على هذه الأجنةيتطلب استخراج عدد من البويضات من مبيض المرأة، وتلقيحها خارج الرحم بالحيوانات المنوية، وتتراوح ما بين 4 – 8 بويضات، ثم يقوم الأطباء بإعادة ثلاثة من اللقائح فقط إلى الرحم بعد أن تبدأ بالنمو، أما الفائض فيحتفظ به بعد تبريده، وتجميده، انتظارًا لنتيجة الزرع في الرحم، فإلم تنجح العملية يتم تكرارها، وتظل هذه الأجنة مجمدة في المعامل؛ لإعادة تنشيطها، واستخدامها في عملية أخرى للمرأة نفسها – هذا في المجتمع الإسلامي -، أو الاستفادة منها لامرأةأخرى في المجتمعات الأخرى.

حكم المسألة

اختلف الفقهاء في حكم الانتفاع بهذه الأجنة الفائضة على ثلاث اتجاهات:

الاتجاه الأول:جواز الاستفادة والانتفاع من هذه الأجنة الفائضة في البحوث العلمية، والتشجيع عليها.

واستدل لهذا الاتجاه بأدلة منها:

الدليل الأول:أن إتلاف هذه الأجنة الفائضة دون الاستفادة منها في البحوث العلمية والتجارب يعد نوعًا من الوأد لها.

الدليل الثاني: وجود الضرورة العلمية لإجراء البحوث على هذه البويضات المخصبة، والتي تتمثل في النقاط الآتية:

  • ‌أ- البحث في حالات العقم عند الذكور، ومعرفة الأسباب الرئيسية التي تمنع بعض الحيوانات المنوية من التلقيح، ومن اختراق أكثر من حيوان منوي واحد لتلقيح البويضة، والذي يترتب على حدوثه فشل البويضة في النمو، وإن نمت فإنها تتحول إلى حمل عنقودي، أو سرطاني، وفي كليهما خطر على حياة الأم، فمن الممكن علاج مثل هذه الحالات وغيرها من عقم الذكور، عن طريق إجراء هذه البحوث على هذه البويضات الفائضة، لتفادي ما يمكن تفاديه في المستقبل.
  • ‌ب- دراسة حالات الإجهاض المتكرر، فقد يكون ناتجًا عن القصور في جينات البويضات الملقحة، التي تتحكم في عوامل النمو والعلوق في جدار الرحم، فهناك بويضات تتخصب، إلاَّ أن بعضها ينمو نموًا غير طبيعي من البداية، فتضمر هذه البويضات وتنكمش وتتفتت، ومن ثم تجهض، ولابد من إجراء مثل هذه البحوث على هذه البويضات لمعرفة أسباب حدوث ذلك.
  • ‌ج- دراسة الصفات الوراثية في الحمض النووي (DNA ) في البويضة المخصبة؛ لتشخيص الأمراض الوراثية، ومحاولة علاجها في المستقبل، وذلك بأخذ عينات من البويضات المخصبة وهي في المختبر، ويتم استنباتها، ومن ثم إجراء التحاليل عليها، فيستبعد منها ما كان حاملًا لمرض وراثي معين، ويعاد إلى الرحم منها ما كان خاليًا من أي مرض وراثي.
  • ‌د- دراسة التشوهات الخلقية الناتجة عن العوامل البيئية التي قد يترتب عليها الإصابة ببعض الأمراض، أو التعرض للمواد الكيميائية السامة، وغيرها من الأمور التي يمكن معرفتها بالبحث في هذه البويضات المخصبة، فتنصح الحامل أو من في نيتها الحمل بالابتعاد عنها.

 

الاتجاه الثاني:عدم جواز الانتفاع بهذه الأجنة.

ودليل هذا الاتجاه: أن هذه الأجنة يجب أن تأخذ طريقها الذي خلقت له، وهو العلوق في رحم أمها إن فشلت عملية الزرع الأولى، مادامت قابلة لأن تكون إنسانًا كاملًا، ولو احتمالًا، فهي قابلة للحياة، ومستعدة لها.

 

القول الثالث: التفصيل.

فالبويضات الملقحة خارج الرحم لا تخلو من حالتين:

الحالة الأولى: ألا يوجد المانع الشرعي أو الواقعي من غرس هذه البويضات في الرحم، فالأصل في إتلاف هذه البويضات هو التحريم، ولكن يمكن أن يرخص بإتلافها في سبيل تحصيل مصالح معتبرة، وذلك أن مفاسد إتلافها خارج الرحم أقل بكثير من مفاسد إتلاف البويضات الملقحة داخل الرحم؛ فهي من جهة في أدنى مراحلها الإعدادية؛ لأنها في أبعد مدى عن زمن نفخ الروح.

كما أن إتلافه لا يستلزم كشف العورات، ولا يسبب معاناة جسدية للمرأة التي أخذت منها البويضات، وذلك على فرض أن عملية التلقيح الصناعي لم تجر خصيصًا لهذا الغرض، وإنما لغرض غرس البويضات الملقحة في رحم الأم، ثم بدا للزوجين أن يتبرعا بها لغرض إجراء التجارب عليها.

وعليه فإن حكم التصرف فيها لهذا الغرض هو الجواز، ما دامت المصالح التي يراد تحصيلها لا تقل عن رتبة الحـاجيات، ولا تتدنى إلى رتبة التحسينيـات.

الحالة الثانية: أن يوجد المانع الشرعي أو الواقعي من غرس هذه البويضات في الرحم.

وصورة المانع الواقعي: أن يكون أهل الصنعة عاجزين عن تهيئة الوضع الذي يجعلها تواصل مسيرتها التطورية، بحيث يستيقن أنها ستفقد الحياة التي تمكنها من النمو والتخلق قبل أن تنفخ فيها الروح، كما لو سقطت البويضة الملقحة، وعجز الأطباء عن إعادتها، وعن تهيئة الرحم الصناعي البديل.

وصورة المانع الشرعي: أنه لايسمح شرعًابوضع البويضات الملقحة خارجيًا في الظرف الذي يمكنها من التطور، ويكون ذلك في اللقائح الزائدة عن الحاجة في مشاريع أطفال الأنابيب، إذا استحال من الناحية الواقعية غرسها في رحم الزوجة صاحبة البويضة، كما لو توفيت بعد تلقيح بويضتها في المختبر بمني زوجها، أو خيف عليها الهلاك من الحمل، ونحو ذلك.

 

فيجوز إجراء التجارب فيها على هذه البويضات؛ لأمرين:

الأول: أن هذه البويضات غير صالحة لتحقيق المقصود من خلقها، وهو الوصول إلى الوضع الذي تحل الروح فيه.

الثاني: أن مصير هذه البويضات فيما لو لم تُجر عليها التجارب هو الزوال لا محالة، وذلك لعدم إمكانية غرسها في الرحم، فالاستفادة منها في التجارب الطبية أولى.

 

ضوابط الانتفاع بالبويضات الملقحة:

الضابط الأول:أن يغلب على الظن في إجراء التجارب على البويضات الملقحة تحقيق مصالح معتبرة للناس، وأن يكون فوات هذه المصالح أخطر من مفسدة إتلاف البويضات بحسب المعايير السابقة، ولا يتحقق هذا بمجرد الشك، بل لا بد من قناعة أهل الاختصاص به، وذلك كالمجالات العلاجية التي يقصد منها تحقيق رغبة الزوجين في الإنجاب، وكذا التجارب على البويضات الملقحة التي تجرى لمعرفة الوسط المناسب لنمو هذه البويضات في الأنبوب، والتجارب والأبحاث التي تساعد على تطوير عمليات الاحتفاظ بالبويضات الملقحة لغرسها فيما بعد، ونحو ذلك من المصالح الضرورية.

ويستثنى من هذا الضابط صورة وجود المانع الشرعي أو الواقعي من غرس البويضات في الرحم، لاختلاف هذه الصورة عن غيرها، في أن البويضات الملقحة داخليًا، أو الملقحة خارجيًا مع عدم وجود المانع يمكنها أن تتطور وتنمو، والأصل فيها تحريم إفسادها، ولا يباح إفسادها إلا عند غلبة الظن بتحقيق مصلحة أعلى، وأما البويضات الملقحة خارجيًا والتي يوجد مانع من غرسها فهي ميتة حكمًا، وإن كانت خلاياها حية في الحقيقة، فالأصل في إتلافها الجواز، ويكفي أن يكون في استخدامها نفع معتبر.

 

الضابط الثاني:أن يكون إجراء التجارب على البويضات الملقحة هو الطريقة الوحيدة لتحقيق المصالح المبتغاة.

 

الضابط الثالث:مراعاة التدرج في استخدام البويضات الملقحة.

ومؤدى هذا الضابط أنه لا يجوز استخدام البويضات الملقحة في مراحل عليا من تطورها إذا أمكن تحقيق المطلوب باستخدام أجنة في مراحل دنيا؛ فلا يصح استخدام بويضة ملقحة تعلقت بجدار الرحم إذا أمكن استخدام بويضة ملقحة لم تتعلق بجدار الرحم، ولا استخدام بويضة ملقحة في داخل الرحم إذا أمكن استخدام بويضة ملقحة خارج الرحم، ونحو ذلك.

وعليه فإن إباحة إجراء التجارب على البويضات الملقحة مشروط بهذا التدرج، تبعًا لقاعدة (الضرورات تقدر بقدرها).

 

الضابط الرابع:أن يكون إجراء التجارب على البويضات الملقحة برضا الأبوين كليهما.

وذلك لأن البويضات الملقحة إذا كانت في رحم المرأة فلا يحق لأحد إجراء التجارب عليها ما لم تأذن، ولاستلزام إجراء التجارب عليها الإضرار بها في بعض الحالات، وكذلك الزوج فلا بد من إذنهما؛ لأن في ذلك تفويت فرصة تكون الولد له، فحاجة الإنسان إلى الولد قد ترتفع إلى رتبة الضروريات إذا كان يرغب في تحقيقها، ولا يأذن بتفويتها، فإن أذن تدنت رتبتها، وهذا الإذن شرط في حالة البويضات الملقحة داخليًا، وكذلك البويضات الملقحة خارجيًا مع عدم المانع من غرسها في الرحم.

أما البويضات الملقحة خارجيًا مع وجود المانع من غرسها فإن الإذن في هذه الحالة شرط أيضًا حتى لا تتكون خشية في نفس الوالدين من استغلال لقيحتهما في رحم امرأة أخرى، وتسرب نسلهما إلى غيرهما، فهذه مفسدة نفسية معتبرة، وإن كانت دون المفسدة الأولى.

ولا يشترط الإذن إذا امتنع جميع الناس عن السماح بإجراء التجارب العلمية على البويضات الملقحة التي يستحيل إعادة غرسها في الرحم؛ لأن تحقيق المصالح التي يذكرها الأطباء لهذه التجارب من باب فروض الكفاية بالنسبة للمجتمع، فيجب العمل لتحقيقها، فيلغى اعتبار الإذن فيما يقع من الحالات أولاً، فإن تحققت الكفاية به عاد الأمر إلى اعتبار الإذن فيما يقع من الحالات أولاً، فإن تحققت الكفاية به، عاد الأمر إلى اعتبار الإذن لتحقيق المزيد من المعارف النافعة، وإلا بقي الحال على عدم اشتراطه حتى تتحقق الكفاية.

 

الضابط الخامس:ألَّا يتعمد الباحث إيجاد بويضات ملقحة من أجل إجراء التجارب عليها؛ لأنه إنما جوِّز إجراء التجارب على البويضات الزائدة عن الحاجة في عمليات التلقيح الصناعي خارج الرحم، بناءً على ترجيح أخف الضررين؛ لأن مصير هذه البويضات الزائدة عن الحاجةمتردد بين مفسدتين: فهي إما أن يتم إتلافها، وإما أن يستغل وجودها لانتفاع البشرية، وتقدم الطب من خلال إجراء التجارب عليها.

ومن ثمَّ فإن الضرر الحاصل من إجراء التجارب على البويضات الفائضة أخف مفسدة من إتلاف هذه البويضات مباشرة؛ ولذا جُوِّز إجراء التجارب عليها، بناءً على ما قرره أهل العلم من أنه (إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما).

 

الضابط السادس:أن يكون إجراء التجارب على البويضات الملقحة في مراكز محددة، ومتخصصة، ومراقبة.

وهذا الضابط يقتضيه الاحتياط لبعض المقاصد الشرعية، فإنه لما كانت هذه اللقائح أصلًا للآدمي، وكان إجراء التجارب عليها قد يتخذ ذريعة لأعمال تتنافى مع مقاصد الشرع دون أن تكون هناك مصالح معتبرة، كأن تستعمل هذه اللقائح في التجارة، مما يتنافى مع كرامة الآدمي بامتهان أصله ومادته، أو تستعمل اللقائح الزائدة في مشاريع أطفال الأنابيب استعمالًا يؤدي إلى اختلاط الأنساب، كأن تزرع في رحم امرأة أجنبية، أو تستعمل في بحوث غير جادة، وغير هادفة، ولا حاجة إليها، فلما كانت هذه الاستعمالات وغيرها مما يتنافى مع مقاصد الشرع ممكنة الوقوع، فإن إباحة إجراء التجارب على البويضات الملقحة ينبغي أن تحاط بجملة من القيود التنفيذية، فلا يسمح بذلك إلا لمراكز محددة ومتخصصة ومراقبة بأجهزة فعالة، بحيث لا يدخلها شيء من البويضات الملقحة ولا يخرج منها إلا ويكون تحت نظر المراقبين.

 

وقد جاء في المؤتمر الدولي الأول عن (الضوابط والأخلاقيات في بحوث التكاثر البشري في العالم الإسلامي) بعض التوصيات المتعلقة بالبويضات الملقحة، وهي كالآتي:

1.يمنع التبرع أو الاتجار بالبويضات أو الخلايا المنوية، ويقتصر التلقيح سواء داخل الجسم أو خارجه على الخلايا المنوية من الزوج إلى بويضات زوجته هو.

2.لما كان تنشيط (تحريض) التبويض بدءًا لعملية أطفال الأنابيب ينتج عددًا كبيرًا من البويضات، ولما كان الطبيب لا يستطيع أن يتحكم في عدد البويضات التي ينتجها المبيض تحت تأثير الأدوية ولا يتمكن من اختيار البويضات التي يمكن تلقيحها من عدمه أو اختيار البويضات الملقحة التي تؤدي إلى حدوث حمل، فإنه عملًا بمراعاة إعطاء المريضة أكبر فرصة ممكنة لنجاح الإخصاب، وتعريضها لأقل معاناة نفسية وصحية، فإن الرأي الطبي السائد ينصح بأنه في حالة الحصول على عدد كبير من البويضات الملقحة يجب أن يقتصر عدد الأجنة المنقولة إلى رحم الزوجة على ثلاث أو أربع بويضات ملقحة، ويمكن الاحتفاظ بالعدد الزائد من البويضات الملقحة بطريقة التجميد بعد الموافقة السابقة الواعية من الزوجين.

3.البويضات الملقحة المجمدة هي ملك للزوجين، ويمكن أن تستخدم لنقلها للزوجة نفسها في دورات متتالية إذا لم يحدث حمل، حيث تنقل إلى رحمها إذا رغبت في حمل آخر، أو في حالة عدم نجاح المحاولة الأولى خلال فترة سريان عقد الزواج، وفي حياة الزوج.

4.الأبحاث التي تجرى على البويضات الملقحة لا بد أن تقتصر على الأبحاث العلاجية وتكون بالموافقة السابقة الواعية للزوجين.

5.لا يسمح بإجراء بحوث تهدف إلى تغيير الصفات الوراثية للخلايا الملقحة.

المراجع

1. أبحاث فقهية في قضايا طبية معاصرة، د.محمد نعيم ياسين، دار النفائس،الأردن.
2. إجراء التجارب على الأجنة المجهضة والأجنة المستنبتة، د. محمد علي البار، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، سنة: 1410، العدد:6، ج3.
3. الاستفادة من الأجنة المجهضة أو الزائدة عن الحاجة في التجارب العلمية وزراعة الأعضاء، د. مأمون الحاج علي إبراهيم، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، سنة: 1410، العدد:6، ج3، ص1820.
4. البويضات الملقحة الزائدة عن الحاجة ماذا نفعل فيها؟ د. مأمون الحاج إبراهيم، ضمن ندوة: الرؤية الإسلامية لبعض المشكلات الطبية المعاصرة، (د.ط)، المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية، 1407.
5. حدود التصرف في الأعضاء البشرية في الفقه الإسلامي والقانون المدني، دراسة مقارنة، د. افتكار مهيوب، (د.ط)، مكتبة شادي عبدالخالق، صنعاء، 1427.
6. حقيقة الجنين وحكم الانتفاع به في زراعة الأعضاء والتجارب العلمية، د. محمد نعيم ياسين، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد: 6، ج3.
7. حكم الاستفادة من الأجنة المجهضة أو الزائدة عن الحاجة، د. عبدالسلام العبادي، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، سنة: 1410، العدد:6.
8. الخلايا الجذعية والقضايا الأخلاقية والفقهية، د. محمد علي البار مقدم إلى مؤتمر الهندسة الوراثية بين الشريعة والقانون،جامعة الإمارات.
9. قرار المؤتمر الدولي عن الضوابط والأخلاقيات في بحوث التكاثر البشري في العالم الإسلامي، المنعقد في القاهرة، في الفترة من 4-7من جمادى الآخرة 1412.
10. قرار المجمع بشأن الخلايا الجذعية في الدورة السابعة عشرة المنعقدة في19-23/10/1424.
11. مشكلة الإجهاض (دراسة طبية فقهية)د.محمد على البار، ط الثانية، 1407، الدار السعودية للنشر والتوزيع.

مسائل ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى