قسم الفقه الطّبيباب المسؤولية الطبية

الأخطاء الطبية

المسألة رقم 98

العناوين المرادفة

• خطأ الطبيب.
• ممارسات الطبيب الخاطئة.

صورة المسألة

يُعرف الخطأ الطبي: بأنه الإخلال بالالتزامات الخاصة التي تفرضها مهنة الطب دون قصد الإضرار بالغير، ويكون هذا الإخلال بترك ما يجب فعله، أو فعل ما يجب الإمساك عنه.
يقول ابن عبدالبر: “وقد أجمعوا أن الخطأ مالم يقصده الفاعل ولم يرده وأراد غيره”.
وبناء عليه فليس كل إجراء طبي تخلف الشفاء فيه عن المريض، أو حصل بسببه ضرر يُعد خطأ طبياً، فقد يتخلف الفعل الطبي عن تحقيق الشفاء للمريض ولا يكون ثمة خطأ؛ لأن الالتزام الذي يقع على عاتق الطبيب هو التزام ببذل عناية لا بتحقيق غاية، حيث إن المعقود عليه في العمل الطبي بذل العناية اللازمة وليس تحقيق غاية الشفاء.
فإذا تقرر ما سبق، فإن الطبيب إذا التزم بأصول مهنته العلمية والعملية ثم ترتب على علاجه للمريض ضرر فإنه لا يتحمله؛ لأنه فعل فعلاً مأذوناً له فيه شرعاً ولم يتعد، وقد أجمع الفقهاء على أن الضمان يجب بالتعدي.

حكم المسألة

أولاً: لا يُعد الخطأ الطبي موجباً للمساءلة إلا بتوافر أركان ثلاثة، هي:

1- التعدي خطأ، ويقصد به خروج الطبيب عن السلوك الطبي الاعتيادي وما يقتضيه من يقظة وتبصر، إمَّا بالإهمال والتقصير وقلة الاحتراز، أو بالإخلال بالواجبات الخاصة التي تفرضها أعراف مهنته دون قصد إحداث الضرر.

 

2- حدوث الضرر: وهو ما نجم عن عدم قيام الطبيب بالالتزامات الخاصة التي تفرضها عليه مهنة الطب.

ولابد من وقوع الضرر حتى يساءل الطبيب، فإن لم يقع الضرر فلا محل للمساءلة.

والضرر نوعان:

  • مادي، كأن تذهب نفس المريض، أو يتلف عضو من أعضائه، أو يزداد مرضه؛ نتيجة للفعل الخطأ.
  • معنوي، كالآلام الجسيمة التي تسبب فيها الطبيب للمريض أثناء العلاج.

 

3- السببية بين الخطأ والضرر الحاصل، فإذا انتفت العلاقة السببية بينهما انتفت المسؤولية.

 

ثانياً: أقسام الخطأ الطبي:

ينقسم الخطأ الطبي إلى قسمين، هما:

الأول: الخطأ العادي (المادي)، وهو الخطأ الذي يمكن أن يصدر عن أي أحد من الناس طبيباً كان أو غيره، وهو الإخلال باتخاذ العناية التي يتوجب على كافة الناس التقيد بها، كانتهاك سر المريض أو رفض تقديم العناية له.

الثاني: الخطأ الفني (المهني)، وهو الخروج عن القواعد والأصول الطبية أثناء ممارسة العمل الطبي، كالخطأ في تشخيص حالة المريض، أو وصف دواء لا يناسب حالته…

 

ثالثاً: أسباب الخطأ الطبي:

  • الإخلال بالأصول العلمية للمهنة، وهي الأصول الثابتة والقواعد المتعارف عليها نظرياً وعملياً بين الأطباء.
  • الإخلال بواجب العناية، وقد سبق البيان بأن التزام الطبيب إنما هو ببذل عناية لا تحقيق غاية، ومن صور الإخلال ما يأتي:
  • الرعونة والطيش: كأن يقدم الطبيب على إجراء عملية جراحية دون الاستعانة بطبيب تخدير.
  • عدم الاحتياط والاحتراز: كأن يجري الطبيب علاجا بأجهزة يعلم أنها معيبة.
  • الإهمال وعدم الانتباه: كأن يترك الجراح في اللحم فتاتا من العظم، أو يترك في جوف المريض قطعة من الشاش.
  • عدم اتباع اللوائح التي تصدرها الجهات الإدارية المنظمة للعمل الطبي.

وحول هذا يقول الخرقي في مختصره:” ولا ضمان على حجام ولا ختان ولا متطبب إذا عرف منهم حذق الصنعة، ولم تجن أيديهم”. فعبر عن الجانب العلمي (بحذق الصنعة) وعن الجانب التطبيقي العملي (بقوله: لم تجن أيديهم).

 

رابعاً: معيار قياس الخطأ الطبي (الموجب للضمان):

أولاً: الخطأ العادي، ومعيار قياسه ليس محل إشكال؛ لأنه ليس له علاقة بالأمور الفنية، بل يقاس فعله بما هو مألوف من أي شخص عادي.

ثانياً: الأخطاء المهنية، ومعيارها عند الفقهاء: الخروج عن السلوك المعتاد الذي يسلكه أي طبيب آخر في العادة إذا كان في نفس الظروف التي تحيط بالطبيب، يقول الشافعي –رحمه الله- : “وإذا أمر الرجل أن يحجمه، أو يختن غلامه، أو يبيطر دابته، فتلفوا من فعله، فإن كان فعل ما يفعل مثله مما فيه الصلاح للمفعول به عند أهل العلم بتلك الصنعة فلا ضمان عليه”.

وقال ابن القيم –رحمه الله- : “وإن كان الخاتن عارفاً بالصنعة وختن المولود في الزمن الذي يختن في مثله، وأعطى الصنعة حقها لم يضمن سراية الجراح اتفاقاً”.

فيؤخذ من أقوالهم – رحمهم الله – أن معيار قياس خطأ الطبيب قياسه على طبيب مماثل من نفس المستوى وفي نفس الظروف، فإن فعل ما يفعله مثله في العادة، فإن فعله لا يوصف بالخطأ.

 

خامساً: وسائل إثبات الخطأ الطبي:

إن عملية إثبات الخطأ الطبي ليست بالعملية السهلة خاصة لعامة الناس؛ لأنهم يعتبرون مهما بلغ مستواهم العلمي أميين مقارنة بالأطباء في مجال المهنة.

ووسائل الإثبات التي ينبغي التعويل عليها، هي:

1-الشهادة: وهي إخبار صادق لإثبات حق بلفظ الشهادة في مجلس القضاء، قال تعالى:﴿ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ۖ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة:282]. ويجب على القاضي القضاء بموجب الشهادة بعد توافر شروطها من الصفة والعدد.

وقد اتفق الفقهاء على أن شهادة النساء منفردات تقبل فيما لا يطلع عليه إلا النساء، وحيث إن أكثر العاملين في قطاع التمريض ومساعدي الأطباء من النساء فإن شهادتهن تقبل إذ قد لا يوجد من يثبت حق المريض سواهن.

 

2- الإقرار:

وهو إخبار عن ثبوت حق للغير على نفسه، ولأنه اعتراف من المدعى عليه لصالح المدعي فلا شبهة فيه.

وإقرار الطبيب يفيد ثبوت الخطأ في جانب المقر نفسه؛ لأنه حجة قاصرة، فلو أقر بخطأ وقع منه ومن غيره في الفريق الطبي، فإن إقراره لا ينسحب على غيره.

 

3- شهادة الخبراء:

وهم الذين يخبرون عن حقائق علمية، والأصل في شهادة الخبير أنها إخبار من العارف الخبير عن حقيقة ما، لذا عدها الفقهاء من باب الرواية لا الشهادة، فيكتفى فيها بشاهد واحد ذكر أو أنثى.

 

4- المستندات الخطية:

وتشمل ما يتم كتابته من قبل الطبيب ومن في حكمه في ملف المريض من وصف تشخيصي للمريض، وتاريخ العلاج وتطورات المرض والأدوية الموصوفة، كما تشمل توقيعات المريض أو وليه على العلاج أو العمل الجراحي.

فالملف الطبي يعتبر وثيقة يمكن التعويل عليها كقرينة للاستئناس بها فيما لو كان هناك تقصير أو إهمال أو خروج عن سنن الأطباء، ولا يعد الملف بينة مستقلة لاحتمال التلاعب فيه.

 

سادساً: الآثار المترتبة على خطأ الطبيب:

الأثر الأول: الكفارة.

إذا أدى خطأ الطبيب إلى وفاة المريض وجبت عليه كفارة بالاتفاق، وهي: عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين؛ لقول الله تعالى:﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ۚ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا ۚ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ۖ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ٩٢ ﴾ [النساء:92].

 

الأثر الثاني: الضمان: وهو التعويض المالي عن الضرر؛ كالديات، والأروش، والحكومات.

ينقسم خطأ الطبيب بالنظر إلى مهنيته وعلمه بصنعته إلى قسمين:

  • خطأ الطبيب الحاذق.
  • خطأ الطبيب الجاهل.

القسم الأول: خطأ الطبيب الحاذق.

أولا: اتفق الفقهاء([1]) على أن الطبيب لا يضمن ما ترتب على مداواته من تلف للعضو أو النفس أو ذهاب للمنفعة، إذا كان حاذقاً وأعطى الصنعة حقها ولم تجن يده ولم يتجاوز ما أذن له فيه.

واستدلوا بما يلي:

  1. أن الأصل في الضمان عدم وجوبه إلا على المعتدي، وقد قال تعالى: ﴿ فَإِنِ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة:193].

والطبيب إذا كان حاذقاً ولم تجن يده فليس بمعتد، ومن ثم فلا ضمان.

  1. قول النبي ﷺ : «من تطبب ولم يعلم منه طب فهو ضامن» [رواه أبو داود في سننه، رقم (4586) ، وابن ماجه ، رقم (3466) ، قال عنه الحاكم في مستدركه 4/236: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (635)].

فالحديث دل بمفهومه على أن الطبيب إذا كان عالماً بالطب ولم يخطئ فإنه لا يضمن.

 

ثانياً: اختلف الفقهاء في الطبيب إذا كان حاذقاً، وأعطى الصنعة حقها، وقد أذن له في العلاج لكن أخطأ فأتلف نفساً أو عضواً أو منفعة، هل يضمن؟

اتجاهان للفقهاء:

الاتجاه الأول: يضمن، وإليه ذهب جمهور الفقهاء([2]).

واستدلوا بما يلي:

1- قول الله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ۚ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا ﴾ [النساء:92]

دلت الآية بعمومها على وجوب الضمان أيا كان فاعل الخطأ من الأطباء أو غيرهم.

يناقش: بأن العموم المستفاد من الآية مخصوص بالأدلة الدالة على تخصيص الضمان بمن اعتدى، كقول الله تعالى: ﴿فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:193]

وقول النبي ﷺ: «من تطبب ولم يعلم منه طب فهو ضامن».

والطبيب هنا لم يحصل منه تعد ولا تفريط فلا يضمن.

يجاب: بأن خطأ الطبيب الحاذق -وإن لم يقصده- لا يخلو من نوع تفريط يجبر بالضمان.

 

الاتجاه الثاني: لا يضمن، وهو رواية عن الإمام مالك([3]) –رحمه الله-.

واستدلوا بما يلي:

1- قول الله تعالى: ﴿ فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة:193].

والطبيب إذا كان حاذقاً في صنعته، ماهرا فيها وجنت يده خطأ، فلا ضمان عليه؛ لعدم تعديه.

يناقش: يسلم عدم الضمان على الطبيب الحاذق الذي لم يثبت عليه خطأ في تطبيبه لكن من أخطأ في تطبيبه مع حذقه وعدم تقصيره فلا يسلم عدم تضمينه؛ لأن خطأه فيه نوع تعدي يجبر بالضمان.

 

2- قول النبي ﷺ: «من تطبب ولم يعلم منه طب فهو ضامن».

دل الحديث بمنطوقه على تضمين الطبيب الجاهل، ودل بمفهومه على عدم تضمين الطبيب الحاذق الذي أعطى الصنعة حقها وإن أخطأ.

يناقش: بعدم التسليم بعدم تضمين الطبيب إذا أخطأ وإن كان حاذقاً؛ لأن الحديث دل على تضمين الطبيب الجاهل، إلا أنه لم ينف الضمان عن غيره.

 

3- حديث صاحب الشجة، والذي جاء فيه قول النبي ﷺ: «قتلوه قتلهم الله». [رواه أبو داود في سننه ، رقم (336)، وابن ماجه ، رقم (572). وضعفه الألباني في الإرواء 1/142].

فلم ينقل عنه ﷺ أنه ضمنهم.

يناقش: بأن موت المشجوج لم يكن بسبب خطأ طبي، بل كان نتيجة للتمسك بالحكم الشرعي الأصلي، وعدم العلم بالرخصة، فلا يوصف فعلهم بالخطأ لا بالمباشرة ولا بالتسبب، وإنما قال النبي ﷺ: «قتلوه» تغليظاً لمقصد حفظ النفس وأنه تجب مراعاته بالرخص الشرعية.

 

4- أن خطأ الطبيب هنا تولد عن فعل مباح مأذون له فيه، فلا يضمن؛ لأن الإذن الشرعي ينافي الضمان.

يناقش: أن الطبيب وإن كان مأذوناً له في العلاج، فلا يسلم عدم تضمينه بسبب خطئه غير المقصود؛ لأن المعقود عليه في العمل الطبي بذل العناية وقد أخل بها؛ فيضمن.

 

مسألة: إذا وجب الضمان على الطبيب الحاذق المأذون له في التطبيب بسبب خطئه غير المقصود، فعلى من يكون الضمان؟

في ماله، أو على عاقلته؟

المسألة على اتجاهين:

الاتجاه الأول: أن الضمان على العاقلة وهو قول جمهور الفقهاء ([4]).

واستدلوا بما يلي:

1- أن خطأ الطبيب فرد من أفراد جناية الخطأ، وجناية الخطأ على العاقلة لحديث أبي هريرة رضي الله عنه والذي جاء فيه: “وقضى أن دية المرأة على عاقلتها”. [رواه البخاري ، رقم (6910) ، ومسلم ، رقم (4390)].

  • ما أثر عن عمر رضي الله عنه “أن ختّانة في المدينة ختنت جارية فماتت… فجعل ديتها على عاقلتها”. [رواه ابن أبي شيبة في مصنفه، رقم (27600)].

 

الاتجاه الثاني: أن الضمان في مال الطبيب، وإليه ذهب بعض المالكية ([5]).

واستدلوا: بما أثر عن عمر رضي الله عنه “أنه ضمن رجلاً كان يختن الصبيان، فختن صبياً فمات، فضمّنه”. [رواه عبدالرزاق في مصنفه، رقم (18045)].

يناقش: بأن قول عمر رضي الله عنه هذا معارض بما سبق عنه من تضمين العاقلة خطأ الخاتنة، إضافة إلى أن معنى “ضمنه” أي ألزمه الضمان دون ذكر لجهة تحمّل هذا الضمان.

 

القسم الثاني: خطأ الطبيب الجاهل:

أولا: اتفق الفقهاء([6])على أن الطبيب الجاهل يضمن ما نشأ عن تطبيبه من ضرر بالمريض إذا لم يعلم المريض بجهله.

واستدلوا: بقول النبي ﷺ : «من تطبب ولم يعلم منه طب فهو ضامن».

فالحديث نص في تضمين الطبيب الجاهل ما تلف بسببه، قال الخطابي([7]): “… والمتعاطي علماً أو عملاً لا يعرفه متعد، فإذا تولد من فعله التلف ضمن الدية، وسقط عنه القود، لأنه لا يستبد بذلك بدون إذن المريض”.

 

ثانيا: أمّا إن علم المريض بجهله وأذن له بمعالجته فاختلف الفقهاء في تضمينه على اتجاهين:

الاتجاه الأول: يضمن، وهو قول جمهور الفقهاء ([8]) أخذاً بظاهر الحديث “من تطبب ولم يعلم منه طب…”.

حيث إن ظاهره يفيد أن من لم يعلم منه طب يضمن، والحال لا يختلف بالعلم أو الجهل بمن استطبه المريض وأذن له في طبه، لكونه متعدياً بمباشرة العلاج مع جهله.

 

الاتجاه الثاني: لا يضمن، وقال به بعض الفقهاء، منهم ابن القيم وابن مفلح([9]) -رحمهما الله-ومال إليه بعض المعاصرين، منهم الدكتور هاني الجبير.

وعللوا ما ذهبوا إليه: بأن المريض أسقط حقه بإذنه له مع علمه بحاله.

يناقش التعليل: بأن المريض لا يملك إسقاط حقه هنا، وإذنه في المداواة من جاهل غير معتبر؛ لأن بدنه أمانة لا يملك التصرف فيه إلا في حدود ما أذن له شرعاً، والشرع لم يأذن له أن يتداوى عند جاهل.

 

مسألة: هل تضمين الطبيب الجاهل في ماله، أو على عاقلته؟

اتجاهان للفقهاء:

الاتجاه الأول: أن الضمان في ماله، وهو المعتمد عند المالكية([10]).

واستدلوا بما يلي:

  • قول النبي ﷺ: «من تطبب ولم يعلم منه طب فهو ضامن».

فنسب الضمان للطبيب الجاهل في قوله: «فهو ضامن» ولم ينسبه للعاقلة.

2- أن الطبيب الجاهل يستحق التغليظ في العقوبة لعظم جرمه، ولولا وجود الشبهة وهي إذن المريض له بالمداواة لعد فعله عمداً، ولأن الظاهر من حاله أنه لم يقصد ضرراً بالمريض وإنما رجا له النفع.

 

الاتجاه الثاني: أن الضمان على عاقلة الطبيب الجاهل وهو قول عند المالكية([11])، وبه قال الشافعية([12])، وهوظاهر مذهب الحنفية([13]) والحنابلة([14]).

ودليلهم: العمل بالأصل وهو تحميل العاقلة دية الخطأ، وقد ورد عن عمر رضي الله عنه: «أن ختانة كانت بالمدينة ختنت جارية فماتت فجعل عمر ديتها على عاقلتها”.

يناقش: بأن تحميل العاقلة لدية الخطأ من باب المواساة، والجاهل بالطب لا يستحق المواساة بل يستحق زيادة في العقوبة، وقضاء عمر رضي الله عنه يحمل على الختانة الحاذقة العالمة بصنعتها، لكن نتج عن فعلها الخطأ.

ومن الآثار المترتبة على خطأ الطبيب الجاهل – حسب ما يراه ولي الأمر –

 

الأثر الثالث: التعزير، وقد يكون التعزير جسدياً، أو مالياً، أو معنوياً، ومنه المنع من ممارسة الطب منعاً مطلقاً أو مقيداً، دائماً أو مؤقتاً حجراً عليه؛ حفظاً لأرواح الناس وأبدانهم من عبث الجهّال والمتهاونين.

 

الأثر الرابع: عدم استحقاقه للأجرة.

إذا أخطأ الطبيب، وأدى خطؤه إلى الإضرار بالمريض فإنه لا يستحق الأجرة المتعاقد عليها؛

وذلك لما يلي:

  • دفعا للضرر عن المريض وقد قال عليه الصلاة والسلام “لا ضرر ولا ضرار”.
  • القاعدة الشرعية “الضرر يزال” وفي إيجاب الأجرة على المريض مع تضرره وعدم تحقق مقصوده إضرار به فوجب إزالته.

 

رابعا: أما خطأ الطبيب غير المأذون له في التطبيب، فسيأتي بيان حكمه مفصلا

في المسألة التالية- آثار التدخل الطبي بغير إذن المريض-.


([1]) تبيين الحقائق (5/137)، حاشية الدسوقي(4/28)، مغني المحتاج(4/202)، المغني (6/133).

([2]) الفتاوى الهندية (4/499)،وحاشية الدسوقي (4/28)، وزاد المعاد (4/140)، والمبدع(5/110).

([3]) بداية المجتهد (2/188).

([4]) فتح القدير(10/259)، بداية المجتهد(2/418)، روضة الطالبين(7/391)، شرح الزركشي (4/249).

([5]) بداية المجتهد (2/418)، والاستذكار (25/53).

([6]) ينظر: المبسوط(24/157)، بداية المجتهد (2/233)، حاشية قليوبي وعميرة (3/78)، المغني (8/117)، الطب النبوي(495).

([7]) معالم السنن(4/39).

([8]) غمز عيون البصائر(1/281)، القوانين الفقهية (1/221)، نهاية المحتاج (8/35)، الروض المربع(5/338).

([9]) الطب النبوي(110 ،111)، والآداب الشرعية (2/438).

([10]) بداية المجتهد(2/418)،والتاج والإكليل (5/431).

([11]) بداية المجتهد(2/418)، والتاج والإكليل(5/431).

([12]) نهاية المحتاج (8/35).

([13]) المبسوط (16/11).

([14]) الفروع (4/451).

المراجع

– بحوث مؤتمر الفقه الإسلامي الثاني، قضايا طبية معاصرة، المجلد الخامس، 1431هـ.
1. الخطأ الطبي، حقيقته وآثاره، د. هاني بن عبد الله الجبير.
2. الخطأ الطبي، د. ميادة الحسن.
3. الخطأ الطبي في الميزان، د. هالة جستينية.
4. الخطأ الطبي حقيقته وآثاره، د. محمد محمد أحمد سويلم.
5. خطأ الطبيب، د. خالد بن محمد بن حمد.
6. أهلية الطبيب وأهميتها في السلامة من الأخطاء الطبية، د. عبد القادر جعفر.
7. الآثار المترتبة على الخطأ الطبي، د. وفاء عبد المعطي.
– الخطأ الطبي، د. وفاء أبو جميل، دار النهضة العربية، القاهرة، 1987م.
– التداوي والمسؤولية الطبية في الشريعة الإسلامية، د. قيس بن محمد آل الشيخ مبارك، دمشق، 1991م.
– ضمان الطبيب في الشريعة الإسلامية والقانون، وليد هويمل عوجان، جامعة عمان، على موقع دار الإفتاء العام، الأردن. www.aliftaa.jo
– الأخطاء الطبية في ميزان القضاء، د. هاني بن عبدالله الجبير، على موقع الإسلام اليوم. www.islamtoday.net
– مسؤولية الطبيب المهنية، د. عبدالله الغامدي.

مسائل ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى