قسم الأسرةباب النكاح

ولاية الفاسق

المسألة رقم 146

صورة المسألة

شرع الله – عز وجل – الولاية في النكاح كرامة للمرأة وصيانة لها – وهذا ما عليه الجمهور – ولتحقيق هذه الصيانة كان للولي شروط معتبرة شرعاً بموجبها يحكم بأهلية وصلاحية هذه الولاية المهمة، وهذه الشروط منها ما هو محل اتفاق ومنها ما هو محل خلاف.
والعدالة من الشروط المختلف فيها، ونظراً لعموم البلوى بالفسق، كان من الأهمية بيان صحة العقود التي يتولاها الأولياء الفساق

حكم المسألة

الولاية في النكاح إما أن تكون بسبب الإمامة والسلطة، أو بسبب الملك أو بسبب النسب.

1- أما السلطان الفاسق فإنه يزوج بالولاية العامة عند عضل الولي القريب فتصح ولايته مع فسقه تفخيماً لشأنه، وللحاجة إليه.

2- وأما السيد الفاسق فإنه يزوج أمته، لأنه تصرف في ماله كالبيع والإجارة، ولأن التصرف فيما يملك استيفاءه ونقله إلى الغير إنما يكون بحكم الملك كاستيفاء المنافع ونقلهما بالإجارة، ولأنه ينتفع بتزويجها لما حصل له من مهرها وولدها، ويسقط عنه من نفقتها وكسوتها، ولا تشترط العدالة في التصرفات المالية.

3- أما الولي بسبب النسب، كالأب والابن والعم ونحوهم، فهل تشترط عدالته؟ وهل يسقط الفسق ولايته؟

 

لا يخلو الولي الفاسق من حالين:

الأول: أن يكون فسقه مؤثراً في ولايته، بأن يكون متهتكاً ديوثاً لا يبالي بعرض موليته، أو حمله فسقه على أن يزوج بناته مثلاً من أشباهه، فتسقط ولايته حينئذ، وتنتقل للأبعد صيانة لحق موليته، وزجراً له عن فسقه وتهتكه.

وهذا مما لا ينبغي الخلاف فيه كما نص الفقهاء على ذلك.

 

الثاني: ألا يؤثر فسقه في ولايته، وذلك بأن يكون لديه من الشفقة والأنفة ما يحمله على صيانة عرضه، والحرص على طلب الحظ لمن كانت تحت ولايته، وهذا القسم من الأولياء اختلف الفقهاء – رحمهم الله – في حكم ولايتهم على قولين:

القول الأول: لا تسقط ولاية النكاح بالفسق، وهذا مذهب الحنفية والمشهور من مذهب المالكية، ووجه عند الشافعية، ورواية عن الإمام أحمد([1]).

وعليه عامة المعاصرين، فهو اختيار الشيخ عبدالرحمن بن سعدي والشيخ محمد بن إبراهيم –رحمهم الله-.

أدلة القول الأول:

1- عموم الأدلة المخاطبة للأولياء دون تفريق بين العدل والفاسق،ومنها:

قول الله – تعالى -: ( وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ ) [النور: 32].

وقوله: ( وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا ۚ ) [البقرة: 221].

المناقشة: الخطاب وإن كان عاماً إلا أنه لا ينصرف إلى الفاسق لأنه لا يكون ولياً.

 

2- إجماع الأمة، وذلك لأن الناس عن آخرهم عامهم وخاصهم من لدن رسول الله r إلى يومنا هذا يزوجون بناتهم من غير نكير من أحد، ولم يمنعوا من التزويج حتى في عصر الأولين.

 

3- أن ولاية النكاح ولاية نظر، والفسق لا يقدح في القدرة على تحصيل النظر، ولا في الداعي له وهو الشفقة، ولذا قيل الوازع الطبعي أقوى من الوازع الشرعي، وطبع الولي يرغمه على عدم إدخال العار على نفسه وعلى موليته ولو كان فاسقاً.

 

4- أن الفاسق يلي نكاح نفسه، فتثبت له الولاية على غيره كالعدل.

المناقشة: أن تولي الفاسق نكاح نفسه إن كان فيه من ضرر فهو واقع عليه بخلاف توليه نكاح غيره ففيه إيقاع الضرر بغيره.

 

5- أن الكافر يحق له الولاية على بنته الكافرة، فالفاسق في أحقية الولاية على بنته المسلمة أولى.

المناقشة: أن ولاية الكافر قبلت لأنه عدل في دينه، ولو كان فاسقاً بين أهل ملته ودينه لأبطلت ولايته.

 

6- أن الحق في ولاية النكاح مستحق بالتعصيب، فلم يمنع منه الفسق كالميراث والتقدم للصلاة على الميت.

 

القول الثاني: تسقط ولاية النكاح بالفسق، إذ العدالة شرط في الولاية، وهذا قول عند المالكية، والمذهب عند الشافعية والحنابلة([2]).

أدلة القول الثاني:

1) ما روي عن ابن عباس – رضي الله عنهما – أن النبي r قال: “لا نكاح إلا بولي مرشد وشاهدي عدل”.

وفي لفظ: “لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل، فإن كان أنكحها ولي مسخوط عليه فنكاحها باطل”.

أخرجه الدارقطني في إرواء الغليل 6/251 وقال: “الصحيح أنه موقوف.

وجه الدلالة: في الحديث اشتراط الرشد في ولاية النكاح.

المناقشة: نوقش من وجهين:

أ- من حيث الإسناد لم يثبت رفعه، والصحيح أنه موقوف.

ب- ومن حيث الدلالة أن قول (مرشد) يختلف عن (رشيد) فالمرشد يسعى للرشد في حق غيره وإن كان الرشد غير موجود في حق نفسه.

وأجيب عن الثاني: بأن آخر الحديث (مسخوط عليه) يرد هذا التأويل.

 

2) القياس، فتقاس الولاية في النكاح على الولاية في المال، فلا يستبد بها الفاسق.

المناقشة: أنه قياس مع الفارق، فالطبع يمنع الولي في النكاح عن التقصير والخيانة لكمال شفقته، وأما المال فهو محبوب إلى الطبع فيزع للخيانة.

 

3) أن الفاسق لا يؤمن من أن يحمله فسقه على أن يضع موليته عند غير الأكفاء، فيلحق العار بأهلها فلم تصح ولايته.


([1]) ينظر: بدائع الصنائع 2/239، حاشية ابن عابدين 2/154، المنتقى للباجي 3/272، روضة الطالبين 7/64،الكافي لابن قدامة 2/12.

([2]) ينظر: الذخيرة 40/245، الحاوي الكبير 9/61، منح الجليل 3/289، روضة الطالبين 7/64، الكافي لابن قدامة 2/12، الإنصاف 20/182.

المراجع

– الولاية في النكاح، عوض بن رجاء العوفي، المدينة المنورة، ط1، 1423هـ/2002م (المكتبة الوقفية).
– ولاية الفاسق للنكاح، دراسة فقهية مقارنة، د. سامي بن فراج الحازمي، مجلة الجمعية الفقهية السعودية، العدد 26، 1436هـ/2015م.
– حكم ولاية الفاسق بحث فقهي مقارن، عبدالفتاح محمود إدريس، دار النهضة العربية، 1998م.
– حكم ولاية الفاسق في النكاح، د. عبدالرحمن النفيسة، الملتقى الفقهي
– موقع رسالة الإسلام. figh.islammessage.com
– موقع الإسلام سؤال وجواب (216626) (159491)
fatwa.islamweb.com
– إسلام ويب، مركز الفتوى (63635) (110087) (43004).
– فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ 10/89 – 90.

مسائل ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى