قسم الفقه الطّبيباب التداوي

نقل الدم

المسألة رقم 89

العناوين المرادفة

التبرع بالدم

صورة المسألة

للدم أهمية كبيرة في بدن الآدمي، أهمها: نقل المواد الغذائية المهضومة من الجهاز الهضمي إلى أجزاء الجسم كافة،ونقل الأوكسجين من الرئتين إلى خلايا الجسم، وحماية الجسم بإذن الله من الجراثيم، والمواد الضارة، والأمراض، وذلك عن طريق أجسام المناعة، وكرات الدم البيضاء، التي تعمل على الفتك بالجراثيم، وتذويبها، وحمايته من حالات فقر الدم الشديد، وهو ما يسمى بالأنيميا.

حكم المسألة

ترتيبًا على أن الدم جزء من جسد الآدمي بحث الفقهاء الحكم من جهات ثلاث:

الأولى: من حيث طهارة الدم ونجاسته،فالقول بنجاسة الدم حكي الإجماع عليه، ونص بعضهم على العفو عن اليسير منه؛ للمشقة لا لطهارة اليسير منه، وقال بعض المتأخرينبطهارة دم الآدمي.

الثانية: الحل والحرمة من حيث تناول الدم، وفي المسألة قولان: قول بأنه لا يحرم من الدم إلاَّ ما كان مسفوحًا، وقول بأن الدم حرام جملةً مسفوحًا كان أم غير مسفوح.

الثالثة: نقل الدم وبخاصة للتداوي به، وهو المراد بحثه في هذه المسألة.

 

فقد اختلف الفقهاء في حكم نقل الدم على اتجاهين:

الاتجاه الأول: تحريم نقل الدم، وهذا ما ذهب إليه بعض العلماء المعاصرين، واستدلوا لمذهبهم بأدلة كثيرة منها:

الدليل الأول: قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ ) [ سورة المائدة: 3]

ووجه الدلالة من الآية الكريمة:تحريم ما ذكر فيها –من الميتة والدم – وعدم جواز الانتفاع بهما مطلقًا، لا للتداوي ولا لغيره، فمن فرَّق بينها، فقد فرَّق بين ما جمع الله تعالى، وهو غير جائزٍ.

 

الدليل الثاني: حجم أحد الصحابة رضي الله عنهم النبي ﷺ ، فلما فرغ قال:” يا رسول الله شربته، فقال: ويحك يا سالم أما علمت أن الدم حرام، لا تعد”.أورده صاحب كنز العمال، ح40960،وضعفه ابن حجر في التلخيص الحبير، ح 17.

وجه الاستدلال بهذا الحديث: نهي النبي ﷺ عن شرب الدم، وفي ذلك إشارة إلى تحريم صور الانتفاع بالدم كافة، ونقل الدم صورة من صور الانتفاع به، فيكون حرامًا.

 

الدليل الثالث: أن الأشياء المباحة لا تخلو من دواء، بدلًا من الدم، لقول النبي ﷺ :” تداووا فإن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء””الحديث أخرجه الإمام أحمد ح 18456،وقال محقق المسند عنه:”حديث صحيح، وهذا إسناد حسن من أجل المطلب بن زياد، وبقية رجاله ثقات رجال الشيخين”.

 

الدليل الرابع: إن دم الآدمي لا يدخل في مجال الضرورة كبقية أعضائه.

 

الدليل الخامس: أنه قد مضت أزمنة عديدة على الطب الجراحي، وقد كان يعالج فيه بالأدوية، دون الحاجة إلى أخذ الدم من أي آدمي لإسعاف مجروح أو غيره.

الدليل السادس: تحريم نقل الدم بناءً على تحريم تناول الدم ونجاسته، أي كون الدم حرامًا، ونجسًا.

 

الاتجاه الثاني:جواز نقل الدم، وهو مذهب أكثر الفقهاء المعاصرين، وعليه فتوى هيئة كبار العلماء، في عام 1399، وفتوى لجنة الإفتاء بالمملكة الأردنية، في عام 1397، وفتوى لجنة الإفتاء الجزائرية، في عام 1392، وفتوى المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي، في عام 1409[1].

واستدلوا لمذهبهم بأدلة كثيرة منها:

الدليل الأول: قوله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ ) [المائدة: 2] وقوله تعالى: (وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) [المائدة: 32]

وجه الاستدلال بالآيتين السابقتين: أن الإسلام يحث على التعاون وإنقاذ الآخرين، وفي نقل الدم إنقاذ لحياة الآخرين ومن فعله فكأنما أحيا الناس جميعًا.

 

الدليل الثاني:قوله تعالى ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) [ سورة الحج: 78]

ووجه الاستدلال بالآية الكريمة: رفع كل ما من شأنه أن يوقع المريض في الحرج والمشقة، وتيسير سبل التداوي كافة، ومن ذلك نقل الدم.

 

الدليل الثالث: القياس على سائل آخر من سوائل البدن وهو اللبن، فيجوز الانتفاع به أثناء الحولين، لما ورد في قوله تعالى: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ) [البقرة: 233] وقوله تعالى: ( وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ۚ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) [البقرة: 233].

وجه الاستدلال بالآيتين الكريمتين: أن الله سبحانه وتعالى أمر الوالدات بإرضاع أولادهن، ورفع الحرج عمن استرضع أولادهن من غير أمهاتهن، وكل ما سبق يشير إلى حل الانتفاع باللبن.

ووجه قياس الدم على اللبن في جواز الانتفاع به: أن كلا منهما مادة سائلة متجددة، تخرج دون قطع للجسد، أو جرحٍ للأعضاء.

 

الدليل الرابع: دفع الضرورة؛ لامتناع الحياة بدون دم، فمن باب كونه واسطة للتغذية، وطاردا للفضلات، وباعثا للحرارة، وناقلا للهرمونات، فإن الآدمي إذا خسر دمه، فلابد من تعويضه بنقل دم غيره إليه؛ لتوقف الحياة عليه.

 

ولقد أورد أصحاب هذا القول (المجوزون) مناقشةًلأدلة المخالفين لهم منها:

أولاً: قالوا عن الاستدلالبحديث “حجم أحد الصحابة رضي الله عنهم النبي ﷺ بأنه حديث ضعيف، كما أن شرب الدم يختلف عن إدخاله في الوريد للتداوي.

ثانيًا: أما الاستدلال على القول بتحريم نقل الدم بناءً على تحريمه ونجاسته،فإن الذي عليه أكثر أهل العلم بأنه لا يحرم من الدم إلاّ ما كان مسفوحًا،ومن الأدلة على ذلك:

  • ‌أ- قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ) [ سورة المائدة: 3].وقوله تعالى: (قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا) [ سورة الأنعام: 145].

ووجه الدلالة من الآيات الكريمة:أنها نصت على تحريم الدم، إلا أن لفظ الدم ورد مطلقًا في الآية الأولى، ومقيدًا في الآية الثانية، بقوله تعالى: (أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا) فيحمل المطلق على المقيد، فيكون الدم المحرم هو الدم المسفوح.

  • ‌ب- أن القول بتحريم الدم مطلقًا، ولو غير المسفوح فيه مشقة وحرج؛ لأن الدم اليسير الموجود في عروق الذبيحة، أو ما كان مختلطًا منه باللحم رخص فيه الجمهور خلافًا لابن حزم، والدم في مسألة نقل الدم ليس بمسفوح لما يأتي.

 

ثالثًا: التفريق بين الدم المسفوح، والدم المسحوب بالحقنة (الدم المنقول)فالدم المسحوب بالحقنة لا يعد دمًا مسفوحًا؛ إنما يختلف عنه في أمورٍ عدةٍ، تتمثل في الآتي:

أولاً:من حيث الصفة:

الدم المسحوب بالحقنة هو: الدم المأخوذ بمقدار معين من الوريد،بآلة طبية مخصوصة، بغرض الاستخدامات الطبية من نقل وتحاليل، أماالدم المسفوح فهو: الدم المسال المهدر.

 

ثانيا: من حيث الحكمة في الحكم:

فحكمة تحريم الدم المسفوح هي: الاستقذار والضرر، حين اتخاذه مشروبًا أو مطعومًا، وهذه الحكمة منتفية في الدم المسحوب بالحقنة، فهو غير مستقذر وغير ضار، بل مفيد عند استخدامه لإسعاف الآخرين.

 

ثالثا: مسار الدم، وطريقة دخوله للجسد:

وبيانه أن الدم المطعوم يدخل إلى الجسد عن طريق الفم مرورًا بالجهاز الهضمي، وقد يحدث الضرر بوصول الدم للجسد بهذه الطريقة، أما الدم المنقول بالحقنة، فيدخل إلى الجسد عن طريق الأوعية الدموية، دون أية صعوبة، فلا ضرر في ذلك.

وعلى هذا يمكن القول بأن الدم المسحوب بالحقنة ليس دمًا مسفوحًا، لما سبق ذكره من اختلافات، يمكن التفريق بها بينهما.


[1]ومن أوائل القائلين بالإباحة الشيخ حسنين مخلوف، مفتي الديار المصرية، وكانت فتواه بذلك عام 1950م. مجلة مجمع الفقه الإسلامي، ع8، التداوي بالمحرمات، د. محمد علي البار.

المراجع

1. الاجتهاد الفقهي للتبرع بالدم ونقله، الشيخ: مناع خليل القطان، مجلة المجمع الفقهي الإسلامي، سنة: 1409، العدد:3.
2. أحكام نقل أعضاء الإنسان في الفقه الإسلامي، د. يوسف بن عبدالله الأحمد، دار كنوزإشبيليا، الرياض، 1427.
3. البنوك البشرية في الفقه الإسلامي، د. قمر الزمان غزال، دار طيبة، دمشق ط.1، سنة 1432.
4. البنوك الطبية البشرية وأحكامها الفقهية، د.إسماعيل مرحبا، ط دار ابن الجوزي ط.1 سنة 1429.
5. البنوك الطبية واقعها وأحكامها،د. عبد الرحمن محمد أمين طالب، بحث منشور بمجلة الفقه الإسلامي الثاني بجامعة الإمام المجلد الثاني 1431.
6. حكم التداوي بالمحرمات، بحث فقهي مقارن، د. عبد الفتاح محمود إدريس، ط1، جامعة الأزهر، 1414.
7. حكم الشريعة الإسلامية في التداوي بالأشياء النجسة ودم الإنسان، محمد برهان الدين السنبهلي، ضمن: قضايا طبية معاصرة، ط1، دار القلم، 1408.
8. الفتاوى الإسلامية من دار الإفتاء المصرية، ج10.
9. فقه القضايا الطبية المعاصرة: دراسة فقهية طبية معاصرة، أ. د. علي محيي الدين القره داغي و أ. د. علي يوسف محمدي، ط2، دار البشائر الإسلامية، بيروت، 1427.
10. قرارات المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي، قرار رقم: (62)، عام 1398هـ، المنعقد في مكة المكرمة، رجب 1409، مجلة المجمع الفقهي، العدد:1، سنة: 1408، وقرارات المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي، مكة المكرمة، 1422، قرار رقم:(1)، عام 1988م، بشأن انتفاع الإنسان بأعضاء جسم إنسان آخر حيًَّا وميِّتًا، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد:4، ج1.
11. المسائل الطبية المعاصرة وموقف الفقه الإسلامي منها، د. عليداود الجفَّال، دار البشير.

مسائل ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى