قسم الفقه الطّبيباب التلقيح الصناعي

نسب طفل التلقيح الصناعي

المسألة رقم 70

صورة المسألة

النسب رابطة شرعية بين شخصين يثبت لكليهما بمقتضاها مجموعة من الحقوق، ويجب عليه مجموعة من الالتزامات وتبنى عليها الأحكام الشرعية.
ويثبت النسب بالفراش، والإقرار، والبينة، وذلك بشروط مخصوصة في كل وسيلة من هذه الوسائل.
ويختلف نسب طفل التلقيح الصناعي باختلاف ما إذا كان الطفل قد ولد من زوجين على قيد الحياة، وتربطهما علاقة زوجية، أو كان قد ولد من زوجين لا تربطهما هذه العلاقة سواء كان انقطاع هذه العلاقة بالوفاة، أو بالطلاق البائن.

حكم المسألة

أولاً: طفل التلقيح المولود من زوجين على قيد الحياة:

إذا ولد الطفل بطريقة التلقيح الصناعي من زوجين على قيد الحياة سواء كان التلقيح داخليًاأو خارجيًا بأخذ السائل المنوي من الرجل وتلقيحه ببويضة المرأة داخل رحمها، أو كان التلقيح خارجيا بطريقة طفل الأنابيب فإن النسب في هذه الحالة يثبت للطفل من جهة الأب والأم وذلك لما يلي:

  • أن ذلك الفرض لا يثير أدنى مشكلة من ناحية تحديد النسب،إذ المعتبر في النسب ماء الزوج وماء الزوجة، وقد ثبت أن ماءيهما هما اللذان قد أجري عليهما التلقيح.
  • أن الزوج وإن لم يقر صراحة بثبوت النسب إلا أنه أقر ضمنًا برضائه بعملية التلقيح، وموافقته على حمل امرأته بهذه الطريقة.
  • أن البينة متوافرة هنا، إذ الطبيب والقائمون بالعملية، وكذلك الإجراءات التي تم اتخاذها بالمركز الذي أُجريت فيه العملية، كلها دالة عل صحة نسب الطفل إلى والديه.

 

ثانيًا: طفل التلقيح المولود من زوجين بعد الطلاق أو الوفاة:

إذا ولد الطفل بطريق التلقيح الصناعي من زوجين انقضت علاقتهما الزوجية قبل حصول التلقيح، سواء كان هذا الانقضاء بالطلاق البائن أو بالوفاة بأن يكون لهما رصيد من الأجنة مجمدة في إحدى مراكز التلقيح، فإن هذا الولد يثبت نسبه الشرعي من أبويه، لتحقق كونه من ماءيهما.

ويفرق بعض الباحثين بين حالين:

الحال الأولى: أن تتم العملية بعد انتهاء الزوجية سواء بالطلاق أو بالوفاة، وتأتي الزوجة بولد خلال سنة من تاريخ انقضاء هذه العلاقة، وفي هذه الحالة يثبت نسب الولد من جهة أمه،سواء كانت معتدة من طلاق أم من وفاة؛لأنها هي التي حملت وولدت، وكذلك النسب من جهة الأب؛لأن الطفلقد ولد على فراش الزوجية أيا كان نوع الطلاق.

الحال الثانية: أن تأتي المرأة بولد بعد أكثر من سنة من تاريخ الطلاق أو الوفاة، وهنا يجب التفرقة بين أمرين:

الأول: إذا أتت بالولد لأكثر من سنة من تاريخ الطلاق، سواء أكان رجعيًا أم بائنًا، فإما أن ينكره أو يقره.

فإن أنكره المطلق فلا يثبت نسبه منه، وهنا يكفي الإنكار للنسب.

أما إذا أقره المطلق ففي هذه الحالة يثبت نسبه منه بإقراره كإقرار الرجل بالولد المجهول النسب،غاية ما هنالك أنه يشترط ألا تكون الزوجة فراشًا لزوج آخر،وأن يصدر الإقرار مستوفيًا لشرائطه، ولا أثر لإنكار الورثة لنسب الصغير بعد ذلك.

 

الثاني:إذا أتت بالولد لأكثر من سنة من تاريخ الوفاة فالأمر يتوقف على إقرار ورثة الزوج المتوفى بالنسب أو إنكارهم له:

فإذا اقره الورثة، فيكون إقرارًاصحيحًا ويثبت به النسب.

وإذا أنكروه فلايثبت نسبه كحالة إنكار الزوج المطلق.

 

حكم الاستفادة من البويضات الملقحة في الأبحاث والتجارب:

هذا محل خلاف بين الفقهاء المعاصرين، ولهم في ذلك اتجاهان:

الاتجاه الأول:عدم جواز الاستفادة من البويضات الملقحة في الأبحاث والتجارب العلمية.

واستدلوا لذلك بما في هذا العمل من المفاسد الكبيرة التي تربو على مصالحها في نظر أصحاب هذا الاتجاه، ومن ذلك:

المفسدة الأولى: مفسدة إتلاف البويضات الملقحة، وتفويت فرصة تكون الولد، فإن الزوجين قد يلجآنى إلى البويضات الفائضة في وقت لاحق، وذلك حق لهما..

المفسدة الثانية: المعاناة التي تصيب الأم من جراء إسقاط البويضات الملقحة.

المفسدة الثالثة: كشف عورة المرأة التي يراد أخذ البويضات الملقحة منها.

المفسدة الرابعة: المساس بكرامة ما هو أصل للآدمي، وذلك من جهتين:

الأولى: جعله محلًا للتجارب.

الثانية: أن ذلك قد يكون ذريعة للمتاجرة بالبويضات الملقحة، واستعمالها لأغراض لا تليق بكرامة الإنسان، كقضايا الاستنساخ، والتلاعب بالجينات.

 

الاتجاه الثاني:جواز الاستفادة من البويضات الملقحة في الأبحاث والتجارب العلمية.

واستدل أصحاب هذا القول: بأن القول بالجواز فيه تحقيق الكثير من وجوه المصالح المعتبرة شرعًا،ومن هذه الوجوه:

  • أ‌- معالجة بعض الأمراض العصبية الخطيرة-مثل مرض الشلل الرعاشي (الباركنسون)، ومرض الخرف (الزهايمر)، وبعض أمراض المناعة، وبعض الأنواع من مرض السكري، وبعض أنواع الحروق، من خلال الخلايا الجذعية الأولية (الجنينية) التي يتم استئصالها من البويضات الملقحة.
  • ب‌- البحث في العقم عند الذكور، إذ المطلوب معرفة مقدرة الحيوان المنوي على التلقيح، ولماذا تفقد بعض الحيوانات المنوية هذه المقدرة، وما السبب الذي يؤدي إلى دخول أكثر من حيوان منوي للبويضة الواحدة، والذي يؤدي إلى موت البويضة وفشلها، ولو نمت فإنها تتحول إلى حمل عنقودي، أو سرطاني، يهدد حياة الأم.
  • ت‌- دراسة حالات الإجهاض المتكرر، وفشل الانغراس، وقد يتم ذلك بدراسة الجينات التي تتحكم في عوامل النمو في البويضات الملقحة التي تنمو نموًا غير طبيعي.
  • ث‌- معرفة المسببات البيئية للتشوهات الخلقية من خلال إجراء البحث على البويضات الملقحة.

 

رأي المجمع الفقهي الإسلامي:

ذهب المجمع الفقهي الإسلامي المنبثق عن رابطة العالم الإسلامي، والمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بالكويت بالأكثرية إلى جواز الاستفادة من البويضات الملقحة في الأبحاث والتجارب العلمية: فقد جاء في قرار المجمع بشأن الخلايا الجذعية في الدورة السابعة عشرة المنعقدة في 19-23/10/1424:

” يجوز الحصول على الخلايا الجذعية وتنميتها واستخدامها بهدف العلاج أو لإجراء الأبحاث العلمية المباحة، إذا كان مصدرها مباحًا، ومن ذلك على سبيل المثال:…اللقائح الفائضة من مشاريع أطفال الأنابيب إذا وجدت، وتبرع بها الوالدان مع التأكيد على أنه لا يجوز استخدامها في حمل غير مشروع “.

وجاء في توصيات ندوة: (رؤية إسلامية لزراعة بعض الأعضاء البشرية) المنعقدة في 23-26 ربيع الأول 1410مانصه: “على رأي الأكثرية (الذي خالفه البعض) من جواز إعدام البويضات الملقحة قبل انغراسها في الرحم بأي وسيلة، لا مانع من إجراء التجارب العلمية المشروعة عليها”.

 

لكن هذا الجواز له شروط ستة:

  • أن تتفق هذه الأبحاث مع المقاصد العامة للشريعة، فلا يجوز إجراء التجارب التي يراد بها تغيير فطرة الله، أو استغلال العلم للشر والفساد.
  • أن يكون المقصود من الأبحاث والتجارب تحقيق مصالح شرعية معتبرة لا تقل عن الحاجيات، ولا تنزل إلى مرتبة التحسينات، فلا يصح أن يكون الغرض من إجراء التجارب على الأجنة استخراج مستحضرات التجميل على سبيل المثال.
  • عدم وجود البديل عن البويضات الملقحة لتحقيق المصالح المبتغاة بحيث يتعين إجراء التجارب عليها.
  • عدم نقل اللقائح المستخدمة في البحث العلمي إلى الرحم.
  • موافقة الزوجين موافقة صريحة.
  • موافقة الجهـات المختصة، والقيام بالأبحاث تحت إشرافها للتحقق من توفر الشروط المتقدمة.

 

والأدلة على جواز إجراء التجارب بالشروط السابقة على البويضات الملقحة ما يلي:

  1. أن الأبحاث والتجارب على البويضات الملقحة لا تجرى على جنين ولا على إنسان، وإنما تجرى على مجموعة من الخلايا.
  2. أن هناك مصالح كثيرة مترتبة على إجراء الأبحاث والتجارب على البويضات الملقحة، وهذه المصالح تتمثل في تحقيق الإنجاب للزوجين، بإذن الله، ومعرفة قدرة الحيوان المنوي على التلقيح، ومعرفة الأسباب التي تؤدي إلى علوق البويضة الملقحة في جدار الرحم أو عدمه، وغير ذلك من المصالح، والحياة الموجودة فيها مهدرة بالنسبة لهذه المصالح؛ لأن الاحترام لها إنما يكون بعد نفخ الروح فيها.
  3. أن البويضات الملقحة الزائدة لا تخلو من أحد احتمالين:
  4. أن تترك في أنبوب الاختبار لتنمو، ومآلها إلى التلف؛ لأن أقصى مدة سجلت لنموها ستة عشر يومًا.
  • ‌أ- أن تحفظ بعد التبريد لإجراء الأبحاث والتجارب عليها.

وفي كلا الاحتمالين يستوي مصير البويضات الملقحة؛ إذ أن مآلها إلى الموت، ولا شك أن الاحتمال الثاني أولى؛ لما يترتب عليه من المصالح.

 

المراجع

1.العلاج بالخلايا الجذعية، رسالة دكتوراه لبدرية الغامدي، كلية الشريعة، قسم الفقه.
2.أحكام التجارب الطبية رسالة دكتوراه لعبد الرحمن العثمان، كلية الشريعة، قسم الفقه.
3.أبحاث فقهية في قضايا طبية معاصرة، د. محمد نعيم ياسين.
4.أطفال الأنابيب، د.عبد الرحمن البسام، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، الدورة الثانية،العدد2،1407.
5.الإنجاب الصناعيأحكامه القانونية وحدودهالشرعية، د. محمد المرسي زهرة،مطبوعات جامعة الكويت،1990.
6.التلقيح الصناعي بين أقوال الأطباء وآراء الفقهاء،د.أحمد محمد لطفي أحمد،دار الفكر الجامعي، 2006م.
7.التلقيح الصناعي بين الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية، د.شوقي زكريا الصالحي، طبعة دار النهضة العربية، القاهرة، 1422.
8.توصيات وقرارات (الندوة الفقهية الطبية السادسة)المنعقدة في الكويت في الفترة مابين 23- 26 أكتوبر 1989م، بالتعاون بين المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية ومجمعالفقه الإسلامي.
9.حكم الاستنساخ والتلقيح الصناعي في الفقه الإسلامي، مجلة الدراسات القانونيةكلية الحقوق،جامعة أسيوط عدد21.
10.الحلال والحرام في الإسلام،د.يوسف القرضاوي،مكتبة وهبة، القاهرة.
11.الخلايا الجذعية والقضايا الأخلاقية والفقهية، د. محمد علي البار، مقدم إلى مؤتمر الهندسة الوراثية بين الشريعة والقانون،جامعة الإمارات
12.الفقه الإسلامي مرونته وتطوره، للشيخ جاد الحق علي جاد الحق.طبعة الأزهر، 1986م.
13.قرار المؤتمر الدولي عن الضوابط والأخلاقيات في بحوث التكاثر البشري في العالم الإسلامي، المنعقد في القاهرة، في الفترة من 4-7من جمادى الآخرة 1412.
14.قرار المجمع بشأن الخلايا الجذعية في الدورة السابعة عشرة المنعقدة في 19-23/10/1424.
15.قرار مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السادس بجدة في المملكة العربية السعودية من17-23 شعبان 1410.
16.النظام القانوني للإنجاب الصناعي، د.رضا عبد الحليم، طبعة دار النهضة العربية،القاهرة، 1996م.

مسائل ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى