قسم الجنايات والقضاء والعلاقات الدوليةباب الجنايات

منع الحمل بالتعقيم

مسألة رقم 124

صورة المسألة

التعقيم هو: استعمال الوسائل المتاحة لمنع الرجل أو المرأة من الإنجاب.
وكان تعقيم الرجل يتم في السابق عن طريق الخصاء، وكان يفعل بطريقة بدائية، فأحياناً بقطع الخصيتين، وأحياناً بسلهما، وأحياناً برضهما.
أما في العصر الحديث فيتم التعقيم للرجال والنساء جراحياً، أما في الرجال فعن طريق سد الأنبوب الذي تسلكه الحيوانات المنوية بعد إنتاجها في الخصية، وتجمعها بالبربخ، حتى تصل إلى الحويصلة المنوية، ويدعى هذا الأنبوب الأسهر، وهو موجود ضمن الحبل المنوي.
ويجري قطع الأسهر، وتسد نهايتا القطع بربط كل نهاية على حدة، وقد يقطع الجراح جزءاً من الأسهر ويستأصله، وهذه الجراحة ينتج عنها العقم الكامل اللارجوعي للرجال، وقد تؤدي إلى حدوث تصلب في الشرايين بعد فترة زمنية.
وأما النساء فتعقيمهن بإفساد الرحم، بحيث يكون غير صالح لاستقبال الحيوانات المنوية للإخصاب، ويتم في العصر الحديث جراحياً أيضاً: عن طريق قطع قناتي الرحم (الأنابيب) وربطهما، أو سدهما بمواد كيماوية؛ للحيلولة دون وصول الحيوانات المنوية إلى البييضة لتلقيح أو منع وصول البييضة بعد الإباضة إلى الرحم؛ وذلك لأن المهمة الأساسية لقناتي الرحم هي إيصال النطفة الذكرية إلى البييضة، والبييضة إلى الرحم.
أما إزالة الرحم أو إزالة المبايض فلا يلجأ إليها في جراحات التعقيم للنساء، لأنه وإن كانت تنتهي بالعقم إلا أنها إجراء عنيف لا يتخذ من أجل الوصول للتعقيم، بل لوجود أمراض خاصة في الرحم أو المبايض.
ومع مرور الزمن وتطور الآلة الطبية أصبحت هناك أجهزة خاصة لإجراء التعقيم، كما أنه مما يجدر إيضاحه: أن التعقيم يختلف عن الخصاء؛ إذ التعقيم الجراحي لا يتناول الشهوة إلى الجنس، أو القدرة على ممارسته ولا يعطلها، وإنما يعطل القدرة على الإنجاب فحسب، وبعبارة أخرى ينبغي التفريق بين أمرين:
الأول: عملية يفقد فيها الرجل قدرته الجنسية والتناسلية، وتزول بها مظاهر الرجولة الأساسية وهي عملية الخصاء.
الثاني: عملية جراحية يتم فيها إفقاد الرجل القدرة على الإنجاب فقط مع التمتع الكامل بالقدرة الجنسية من الانتصاب والمعاشرة.

حكم المسألة

تعرض فقهاء السلف ـ رحمهم الله ـ لحكم قطع النسل أو الحمل بصورة دائمة، ولم يخالف الفقهاء المعاصرون ما يراه السلف من حرمة المنع الدائم للحمل، ولو اختاره الزوجان واتفقا عليه، إلا أن تدعو له الضرورة، كما في الدوافع الصحية، وبذلك صدرت فتاوى كبار المشايخ، مثل: الشيخ عبدالعزيز بن باز، والشيخ محمد شلتوت، والشيخ عطية صقر، والشيخ جاد الحق علي جاد الحق، وغيرهم.

كما صدرت به قرارات المجامع الفقهية واللجان العلمية؛ كمجمع الفقه الإسلامي في دورته الخامسة، والمجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة في دورته الثالثة، ومجمع البحوث الإسلامية في دروته المنعقدة في القاهرة سنة 1965م.

 

وبه صدرت فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، وقرار هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية، وهو ما ذهبت إليه دار الفتوى المصرية.

واستدلوا على التحريم بجملة من الأدلة، منها:

الدليل الأول: الأصل عدم جواز قطع النسل؛ لأنه النسل جعله الشارع من أولى مقاصد النكاح، وحث عليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم». [رواه أبو داود (3227)، النسائي (2050)].

الدليل الثاني: أن الخصاء ممنوع إجماعاً، وإذا ثبت تحريم الخصاء فكذا التعقيم؛ لاتفاق المقصود منهما، وهو قطع النسل.

الدليل الثالث: قياس التعقيم على الوأد بجامع أن كلا منهما مؤد إلى قطع النسل.

الدليل الرابع: مصادمة الفطرة الإنسانية المجبولة على حب الولد، كما أن الأخذ به خوفاً من الحاجة ضرب من ضروب الجاهلية، وسوء ظن بالله.

 

وأما حالات الضرورة ككون المرأة لا تلد ولادة طبيعية، وقد يفضي بها الحمل إلى الهلكة، فلا بأس حينئذ بإجراء عملية التعقيم الدائم إلم يتيسر المنع المؤقت؛ إذ مع كون المنع من التعقيم هو الأصل؛ إلا أن حالات الضرورة توجب الاستثناء من الأصول العامة، وعملاً ببعض القواعد الشرعية؛ كقاعدة: (الضرورات تبيح المحظورات)، وقاعدة: (الضرر يزال)، وقاعدة: (الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف)؛ إذ تعرُّض النفس للضرر الموجود للهلكة أعظم من ضرر المنع الدائم لما لم يوجد، وقاعدة: (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح)، فالإضرار بالنفس المعصومة مفسدة يجب أن تقدم في الدرء على مصلحة تحصيل الولد لتلك النفس.

وهذا فيما إذا اتفق الزوجان على عملية التعقيم، فإن دعت الضرورة للتعقيم، حفظاً لحياة المرأة من الهلكة، فرضي أحد الزوجين وأبى الآخر، فالقول المعتبر هو قول المرأة في الإذن وعدمه إذا كانت بالغة عاقلة، ولا يشترط في ذلك موافقة الزوج ولا غيره من أوليائها؛ لأن الضرر يتعلق بها، وهي أعلم بحالها، وبذلك صدر قرار هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية.

وبناء على ما سبق: فإن موضوع الجريمة الطبية هو إقدام الطبيب على التعقيم الدائم للإنسان رجلا ًكان أو امرأة من غير ضرورة، ولا مبرر طبي يسوغ هذا العمل شرعاً؛ كإقدام المرأة على هذه العملية بدافع المحافظة على الجمال.

 

وإن كان التعقيم إجبارياً فجريمة أخرى، وإن دعت له الضرورة الطبية لاشتراط إذن المداوي بالعمل الطبي، فإن لم يكن ثمة ضرورة كما في الدوافع العدوانية أو الاقتصادية لبعض الدول أو غيرهما فالطبيب المعقم قد ارتكب جنايتين:

أولاهما: تخلف الإذن الشرعي للعمل الطبي.

والثانية: تخلف إذن المخضع للعمل الطبي.

وتخلف الإذن الطبي مما يحرم على الطبيب المساس بجسد الإنسان وإن كان المساس لمصلحته، فكيف إذا كان المساس أذى محضاً؛ كما في التعقيم الإجباري.

والاعتداء على الإنسان بالتعقيم الدائم من غير مسوغ يمكن وصفه في الفقه الإسلامي بأنه جريمة عمدية على ما دون النفس سواء رضي به الزوجان أو لم يرضيا، لأنه اعتداء على الجهاز التناسلي في جسم الإنسان، وتعطيل لمنفعته، وهي التناسل على الدوام.

ومما يؤكد هذا الاعتبار ما جاء في تعريف التعقيم في دورة مجمع الفقه الإسلامي الخامسة: (أن الإعقام يكون في المرأة بإفساد رحمها حتى يصير رافضاً للإخصاب، أو بإفساد مائها، أو بإفسادهما معاً، وهو عبارة عن شل عضو، أو إفساد شيء في الجسم مما خلقه الله).

كما يمكن عده من جرائم هتك العرض؛ لكونه تعرض للعورة نظراً ومساً دون مبرر طبي.

أما المسؤولية الجنائية المترتبة على جريمة منع الحمل بالتعقيم:

ففعل الطبيب لا يخلو إما أن يكون غير مأذون فيه من قبل المخضع لعملية التعقيم ـ وهو التعقيم الإجباري ـ فالواجب فيه الضمان بالدية، ومثل ذلك: ما لو ثبت تسبب العمل الطبي بزوال منفعة النسل، ولو من غير أن يحدث الاستئصال كما في الأدوية والأشعة ونحوها.

إما إذا كان التعقيم بلا مبرر بإذن الزوجين أو أحدهما فلا قصاص ولا دية؛ تخريجاً على مسألة الإذن من المجني عليه بالقطع، ويلحقه الإثم والتعزير للطبيب؛ لأن القصاص والدية حقان للمجني عليه، وقد أسقطهما بالإذن، ولحوق الإثم ولزوم التعزير؛ لأن الأفعال المحرمة لا تباح بالإباحة.

وعلى اعتباره جريمة هتك عرض ففيه عقوبة تعزيرية أخرى.

المراجع

• نوازل الجرائم الطبية (رسالة دكتوراه، قسم الفقه، كلية الشريعة)، د. أمل الدباسي (474) فما بعدها.
• فقه القضايا الطبية المعاصرة للقره داغي والمحمدي (461).
• سياسة ووسائل تحديد النسل في الماضي والحاضر، د. محمد البار (436).
• وسائل منع الحمل والإجهاض، د. معن ريشا (81).
• جراحات الذكورة والأنوثة في ضوء الطب والفقه الإسلامي، محمد بوشيه (389).
• الفتاوى المتعلقة بالطب وأحكام المرضى، جماعة من العلماء (183)، (286)، (287)، (310).
• الفتاوى الشرعية على المشكل في المسائل الطبية، الشيخ عبدالعزيز بن باز (46).
• سرقة الأعضاء بالجراحة الطبية، د. يسري إبراهيم (359).
• قرار هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية رقم (42).
• منع الحمل الجراحي ـ نظرة إسلامية ـ، د. حسان حتحوت (18).
• نظرة الإسلام إلى تنظيم النسل، محمد مدكور (25).
• قضايا إسلامية معاصرة (59).
• مسألة تحديد النسل وقاية وعلاجا، د.محمد البوطي(33)
• مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد الخامس (1/748).
• الطبيب أدبه وفقهه، زهير السباعي ومحمد البار(299).
• موانع المسؤولية الجنائية، مصطفى الزلمي (290).

مسائل ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى