قسم الفقه الطّبيباب التداوي

معالجة المرض الميؤس من شفائه

المسألة رقم 86

العناوين المرادفة

معالجة المرض الذي لا يرجى برؤه.

صورة المسألة

تتضح صورة المسألة بما يلي من تعريفات:
المرض في اللغة: مصدر مرض يمرض مرضًا، والمرض نقيض الصحة، وهو اسم للجنس.
واليأس في اللغة: مصدر يئس ييأس يأسًا، واليأس هو القنوط، ونقيض الرجاء.
والمرض في الاصطلاح: ما يعرض للبدن فيخرجه عن الاعتدال الخاص.
والمقصود بالمريضالميئوس من شفائه: الشخص الذي أصيب بمرض عضال، واستنفذ الأطباء معه كل وسائل العلاج، وصار غير قابل للشفاء في الوقت الراهن.

حكم المسألة

حكم التداوي من المرض الميئوس من شفائه:

اختلف الفقهاء في حكم التداوي بوجه عام كما سبق، فقيل: واجب استنادًا لقوله تعالى: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) جزء من الآية 195 من سورة البقرة، وعملًا بالقاعدة الشرعية (لا ضرر ولا ضرار)وهيقاعدة كلية مأخوذة من نص حديث مرفوع للنبي ﷺ . (أخرجه الإمام أحمد ح 2865، وصححه الألباني بمجموع طرقه، إرواء الغليلح896)، وحملًا للأمر الوارد في قوله ﷺ : ( تداووا فإن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء ) على الوجوب(والحديث أخرجه الإمام أحمد ح 18456، وقال محقق المسند عنه ” حديث صحيح، وهذا إسناد حسن من أجل المطلب بن زياد، وبقية رجاله ثقات رجال الشيخين” ط. الرسالة.

وقيل: إن الأمر في الحديث السابق محمول على الندب، وقال به الشافعية وجمهور السلف، وأيده ابن القيم والذهبي، وهو ما ذهب إليه الأحناف والمالكية، واحتج هؤلاء بأن الأمر الوارد في الحديثإنما هو أمر ندب لا أمر وجوب.

 

وقيل: إنه مباح مطلقا، وهو قول جماعة من أهل العلم، ولا يكاد يوجد من ينكر أن التداوي مباح.

 

وقيل: تركه أفضل عملًا بحديث المرأة التي كانت تصرع (الحديث أخرجه البخاري ح5652)، ولكون بعض السلف تركوه.

وحرمه بعض غلاة الصوفية.

 

وقيل تجري فيه الأحكام الخمسة، وإليه ذهب قرار المجمع الفقهي الدولي بجدة. (راجع مادة: الإذن الطبي)

ولا يخرج من هذا العموم المريض الميئوس من شفائه؛ لأن المرض والشفاء بيد الله عز وجل، والتداوي أخذ بالأسباب التي أودعها الله تعالى في الكون.

وقد جاء في فتوى للشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز جوابا لعدة أسئلة عرضت على فضيلته عن حالة طفل مريض لايرجى برؤه فأجاب رحمه الله: بأن اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء درست ماتضمنته الأسئلة المذكورة وترى اللجنة: “أنه لاحاجة إلى الاستمرار في العلاج، ولاحرج عليكم ولاعلى الأطباء في تركه”[1].

 

وعند الحكم بكون المرض ميئوسًا من شفائه فلا بد مما يلي:

  1. أن يكون القرار الطبي بأن الحالة الطبية مميتة ولا يُرجى شفاؤها قرارًاجماعيًا، يوافق عليه كل أو معظم أعضاء الفريق الطبي المعالج.
  2. أن يُستشار ذوو الاختصاص من تخصصات طبية أخرى إذا استدعى الأمر ذلك للمشاركةفي اتخاذ مثل هذا القرار.
  3. أن يُسجل ذلك بوضوح في ملفات المريض الطبية.
  4. ينبغي أن يكون المريض أو ذووه على علم بمدى خطورة الحالة المرضية.

 

والمريض الميئوس من شفائه لا تخرج صوره غالبا عن صورتين:

الصورة الأولى: مرض الموت المخوف، والفقهاء عندما تكلموا عن مرض الموت المخوف تكلموا عن ثلاثة أمور: وضع ضوابط محددة، أو ملاحظة عوارض، أو ذكر أمراض معينة.

وذكر بعض الباحثين أن الأقرب هو أن يؤخذ من مجمل الضوابط التي وضعوها، والعوارض التي ذكروها، والأمثلة التي أوردوها ضابطًا محددًا يندرج تحته كثير من الجزئيات والأمثلة، ويكون هذا الضابط عبارة عن عدد من الشروط إذا توفرت في المرض عد مرض موت مخوف، وهذه الشروط هي كالتالي:

الشرط الأول: أن يكون المرض من الأمراض التي يكثر حصول الموت بسببها.

الشرط الثاني: أن يتصل الموت بالمرض سواءً مات بسببه، أم بسبب آخر.

الشرط الثالث: أن يكون المرض قد أقعده عن ممارسة أعماله المعتادة.

و ما أشكل كونه مرضًا مخوفًا فقد نص الفقهاء على الرجوع فيه إلى قول أهل الخبرة الطبية لبيانه وتحديده.

ومرض الموت المخوف واقعة مادية يجوز إثباتها بكافة طرق الإثبات كالبينة والقرائن والشهود، غير أن أكثر ما يكون الإثبات فيها بالشهادات والتقارير الطبية.

ومثّل بعض الفقهاء للأمراض المخوفة قديمًا بالبرسام، ووجع القلب وذات الجنب، والإسهال المتواصل، والطاعون، وبعضهم مثل لها حديثًا بمرض السرطان، والإيدز.

وبهذه الضوابط أخذت المجامع الفقهية ففي قرار مجمع الفقه الإسلامي رقم (90 / 7 / 9 ) في مناقشة مرض الإيدز والأحكام المتعلقة به جاء ما نصه: ” يعد مرض نقص المناعة المكتسب(الإيدز) مرض موت شرعًا، إذا اكتملت أعراضه، وأقعد المريض عن ممارسة الحياة العادية، واتصل به الموت”

وجاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي بالهند رقم 35(3/8): ” إذا أحيط أحدبالإيدز إحاطةكاملة، وعجز عن عن أداء فعالياته، اعتبر مرضه مرض الموت”.

ويقرر عدد من الأطباء أن السرطان المنتقل (المنتشر) والإيدز في مراحله الأخيرة من الأمراض المميتة الميؤوس من شفائها.

 

الصورة الثانية: ماعدا مرض الموت المخوف. ويمكن أن يجعل من أمثلته: الجنون، والعقم، وغيرهما من الأمراض، ومثل بعضهم لذلك بموت الدماغ، ومثل لها بعضهم بالحياة الإنباتية، فأما العقم والجنون فإنه يمكن اعتبارهما عيبين يفسخ بهما النكاح متى حصل العجز التام عن علاجهما، وأما موت الدماغ فقد اختلف الفقهاء في مدى اعتباره نهاية للحياة الإنسانية على قولين بالاعتبار وعدمه (راجع: مصطلح موت الدماغ).


[1]فتاوى الطب والمرضى، جمعه الشيخ صالح الفوزان 1/ 318-319.

المراجع

1. قرارات مجمع الفقه الإسلامي الدولي، القرار رقم (90 / 7 / 9)، دار القلم، يروت
2. فقه النوازل، محمد حسين الجيزاني، دار ابن الجوزي، ط.1، 1426.
3. فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ترتيب: أحمد الدويش، نشر الرئاسة العلمية للبحوث والإفتاء.
4. -الفتاوى المتعلقة بالطب، إشراف: الشيخ صالح الفوزان، طبع رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء، الرياض.
5. مرض الموت وتأثيره في التصرفات بصفة عامة، أنور محمود دبور،مجلة الشريعة والقانون الإماراتية، العدد الثاني، السنة 1408.
6. الإصابة بمرض فقد المناعة المكتسب وأحكام المعاملات، جاسم علي سالم،مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية الكويتية، العدد الثامن والعشرون، السنة 1416.
7. مجلة البحوث الفقهية المعاصرة، العدد الثامن والثمانون، السنة 1431، (بحث بعنوان (المرض الذي لا يرجى برؤه، أحمد محمد كنعان ).
8. نطاق الحماية الجنائية للميئوس من شفائهم والمشوهين خلقيًا في الفقه الجنائي الإسلامي والقانون الجنائي الوضعي، محمود إبراهيم مرسي، دار الكتب القانونية، ط.1، 2009م.
9. مرض الموت وأثره في التصرفات في الفقه الإسلامي، د. أحمد بن عبدالله حميد، بحث غير منشور قدم لنيل درجة الماجستير في الفقه من جامعة أم القرى لعام 1397.
10. أحكام مرض الإيدز في الفقه الإسلامي، راشد مفرح الشهري، مكتبة المزيني، ط.1، 1430.
11. أحكام مرض نقص المناعة المكتسبة في الفقه الإسلامي، حنان فوزي، بحث غير منشور قدم لجامعة النجاح لنيل درجة الماجستير لعام 1429.
12. المناعة المكتسبة، الإيدز، أحكامه، وعلاقة المريض الأسرية والاجتماعية، سعود الثبيتي، دار ابن حزم، ط.1، 1415.
13. أحكام التداوي والحالات الميئوس منها، د.محمد علي البار، دار المنارة، ط.1، 1416.
14. الموسوعة الصحية، ضحى بابللي، نشر مركز سعود البابطين للتراث، ط.1، 1424.
15. الإيدز ومشاكله الاجتماعية والفقهية، محمد علي البار، دار المنارة للنشر، ط.1، 1416.
16. حقائق سريعة حول السرطان المتقدم، إعداد الجمعية الأمريكية لمرضى السرطان، الدار العربية للعلوم بلبنان، ط.1، 1428.
17. قرارات وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي بالهند، قرار رقم 35(3/8)، الندوات 1-19، القرارات 1-84، ط.12.

مسائل ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى