قسم الفقه الطّبيباب التداوي

مداواة الرجل المرأة والمرأة الرجل

المسألة رقم 84

العناوين المرادفة

معالجة أحد الجنسين للآخر.
كشف الطبيب على المرأة، والطبيبة على الرجل.

صورة المسألة

مداواة الرجل المرأة والمرأة الرجل

حكم المسألة

أ. حكم مداواة المرأة للرجل:

الأصل في ذلك المنع إلا في حال الضرورةلقاعدة (الضرورات تبيح المحظورات) فيكون الحكم فيها الجواز،مع اشتراط بعض القيود، ومن ذلك قول الفقهاء:إن الأصل عدم جواز التداوي إلا بين المحارم، لما يترتب عليه من النظر المحرم أو الخلوة المحرمة بالأجنبية والأجنبي، ويمكن أن يستدل لحالة جواز تطبيب المرأة للرجل بحديث الربيع بنت معوذ قالت: (كنا مع النبي ﷺ نسقي ونداوي الجرحى، ونرد القتلى )(أخرجه البخاري ح28820،قال ابن حجر “وفيه جواز معالجة المرأة الأجنبية الرجل الأجنبي للضرورة”[1]

 

(ب) حكم مداواة الرجل للمرأة:

وكذلك أجاز العلماء عند الضرورة مداواة الرجل للمرأة،وقد بوب عليه البخاري بقوله: باب هل يداوي الرجل المرأة، والمرأة الرجل[2].

ويستدل لهم بالقياس على ما سبق من حديث الربيع بنت معوذ من أن النساء كن يداوين الجرحى، فيؤخذ من هذا الحديث حكم مداواة الرجل المرأة منه بالقياس كما قال البخاري، وعلى هذا تجوز مداواة الأجانب عند الضرورة، وتقدر بقدرها فيما يتعلق بالنظر والجس باليد وغير ذلك.

وبناء على ماسبق فإنالفقهاء قالوا بجواز نظر الطبيب إلى الأجنبية بقصد العلاج بشروط معينة، مثل الاقتصار في الكشف على قدر الحاجة، وألا توجد طبيبة تعالجها، وأن تتم المعالجة بوجود محرم أو امرأة ثقة، وألا يكون الطبيب ذميًّا مع وجود مسلم، وأن يكون ثقة مأمونًا.

والأصل وجود محرم عند كشف الطبيب على مريضة أو كشف الطبيبة على مريض؛ نفيا للخلوة المحرمة الواردة في قوله ﷺ : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة ليس معها ذو محرم منها فإن ثالثهما الشيطان) (أخرجه الإمام أحمد ح177،وصححه الألباني في إرواء الغليل ح 1813.

فإلم يكن هناك محرم، وجب وجود ممرضة أو ممرض بحسب الحال حتى تنتفي الخلوة المحرمة.

ويسمح للطبيب أن ينظر أو يمس موضع المرض، هكذا قال الفقهاء، وفي الطب الحديث يحتاج الطبيب لمعرفة العلة وسببها أن يفحص أماكن أخرى عديدة، قد لا تبدو للعامة (وهم هنا غير الأطباء) أي علاقة ظاهرية لها بموضع الألم. ومثاله: امرأة تشكو من وجع في بطنها، وقد يكون المرض متعلقًا بالقلب، أو تشكو من صداع، ويكون المرض متعلقًا بضغط الدم، وحينئذ لابد من فحص القلب وغيره من الأعضاء وفحص قاع العين، أو تشكو من كثرة التبول الناتجة عن البول السكري، وذلك يستدعي فحص العديد من أعضاء جسمها، وهكذا، ولهذا فإن اشتراط موضع الألم فقط أمر لا معنى له؛ لأن موضع الألم قد يكون بعيدًا عن سبب العلة، ولابد للطبيب أن يفحص ما يحتاج إلى فحصه من جسم المريضة؛لمعرفة المرض ومضاعفاته، وللوصول إلى التشخيص السليم، وبالتالي إعطاء الدواء الصحيح، ومع ذلك فليس للطبيب حاجة إلى مباشرة ذلك مع وجود مساعدة له تقوم بذلك في حالة اضطرار المرأة للذهاب إلى طبيب.

ولابد من التذكير بأن مادرج عليه العمل اليوم في معظم العيادات من تخصيص ممرضة مع كل طبيب لمساعدته في أعمال العيادة إنما هو تقليد غير إسلامي؛ لأنه كثيرًا مايلجئ إلى الخلوة المحرمة بين الطبيب والممرضة، وبخاصة في الأوقات التي يقل فيها توارد المرضى على العيادة، ويجب تلافي هذا الوضع ماأمكن، كما يجب عدم إتاحة الفرصة للخلوة بالمرضى، وهم في غرف العمليات وبخاصة أثناء التخدير، وكذلك الخلوة بالمرضى المعاقين عقليا أو العاجزين جنسيا أو المرضى المنومين في غرف العناية المركزة I.C.U؛لأن هؤلاء المرضى يكونون في حالة من التخدير أو العجز لايستطيعون معها حفظ عوراتهم عن الانكشاف، وقد يستغل بعض ضعاف النفوس حالة هؤلاء فيتحرشون بهم جنسيا؛بكشف عوراتهم أو مسها، أو الاعتداء الجنسي الفعلي عليهم.

ويجدر أن نذكر هنا بالنقص الحاصل في أعداد النساء المتخصصات في فروع الطب وخاصة في أمراض النساء، مما يضطر كثيرًا منالنساء إلى التداوي عند الأطباء الرجال، وفي هذا حرج من حيث كشف العورات، وغيرها من الأمور التي يحسن ألا يطلع عليها إلا النساء، لذا يجب أن يتصدى لذلك من النساء من يتأدى بهن فرض الكفاية، ويخصص النساء لمداواة النساء والرجال لمداواة الرجال.

 

وقد جاء في قرار مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثامن ببندر سيري باجوان، بروناي دار السلام من 1 إلى 7 محرم 1414ما يلي:

بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: (مداواة الرجل للمرأة )وبعد استماعه إلى المناقشات التي دار حوله،قرر ما يلي:

1- الأصل أنه إذا توافرت طبيبة متخصصة يجب أن تقوم بالكشف على المريضة، وإذا لم يتوافر ذلك فتقوم بذلك طبيبة غير مسلمة ثقة، فإلم يتوافر ذلك يقوم به طبيب مسلم، وإن لم يتوافر طبيب مسلم يمكن أن يقوم مقامه طبيب غير مسلم، على أن يطلع من جسم المرأة على قدر الحاجة في تشخيص المرض ومداواته، وألا يزيد عن ذلك، وأن يغض الطرف قدر استطاعته، وأن تتم معالجة الطبيب للمرأة هذه بحضور محرم أو زوج أو امرأة ثقة؛خشية الخلوة.

2- يوصي المجمع أن تولي السلطات الصحية جل جهدها لتشجيع النساء على الانخراط في مجال العلوم الطبية، والتخصص في كل فروعها، وخاصة أمراض النساء والتوليد؛نظرًا لندرة النساء في هذه التخصصات الطبية، حتى لا نضطر إلى قاعدة الاستثناء.

وقد قال الدكتور محمد علي البار: “…وكان نظام القابلات نظامًا جيدًا معمولًا به في كل أنحاء العالم، ولا يزال، ولكننا للأسف الشديد بدأنا نهمله، مع أن القابلات يستطعن القيام بتوليد 95 بالمئة من النساء. ويمكن أن يتم ذلك في البيوت، والحالات المتعسرة تحولها القابلة إلى المستشفى.

ولكننا نصر للأسف على أن تذهب نساؤنا إلى المستشفيات للولادة الطبيعية، وحيث يشرف عليها في الغالب طبيب رجل (مسلم أو غير مسلم)، وبتكاليف كبيرة، سواء كان ذلك في المستشفيات الخاصة، أو المستشفيات الحكومية، حيث تتحمل الدولة النفقات.

والواقع الذي تدعو إليه منظمات الصحة العالمية، هو إيجاد قابلات مؤهلات تأهيلًا عاليًا، وأن يتم توليد الأغلبية الساحقة من النساء في بيوتهن، بكلفة أقل، وفي ستر، دون الحاجة إلى أن يتكشفن للرجال.

ولا بد من إيجاد كليات للقابلات والاهتمام بهن وبمستواهن حتى يستطعن أن يقمن بهذه المهمة النبيلة. كذلك لا بد من إيجاد كلية طب لأمراض النساء والولادة، بحيث تدخل الطالبة بعد الثانوية مباشرة إليها، وتتخرج بعد ست أو سبع سنوات طبيبة أخصائية في أمراض النساء والولادة، وذلك ييسر تخريج دفعات متكاملة من طبيبات أمراض النساء والتوليد.

أما النظام الحالي فيقتضي الطالبة أن تدرس الطب بفروعه المختلفة ثم تتخرج بعد ست سنوات طبيبة عامة، ثم عليها بعد ذلك أن تدرس مرة أخرى لثلاث أو أربع سنوات لتتخصص في أمراض النساء والتوليد.

ومعنى ذلك باختصار أن يفوتها قطار الزواج؛ لأنها ستتخرج طبيبة عامة وهي في الرابعة أو الخامسة والعشرين، وعليها أن تعمل فترة، ثم تتخصص. وهذا الفرع من الطب يحتاج إلى تضحيات كبيرة، وإلى ترك المنزل في الليل والنهار، مما يجعل الطبيبات يعزفن عن التخصص فيه إلا ما ندر.

أما إذا وفرنا للطالبات، خريجات الثانوية، كلية لطب النساء والولادة فإنهن سيتخرجن متخصصات في هذا الفرع مباشرة، دون الحاجة لقضاء عشر سنوات أو أكثر، كما هو في النظام الحالي.

وإذا كانت الأسنان تستحق منا أن نفرد لها كلية خاصة بها، فإن أمراض النساء والتوليد تستحق كلية بذاتها تدرس فيها الطالبة كل ما تحتاج إليه في هذا التخصص، بالإضافة إلى دراسة عامة عن فروع الطب الأخرى، وهو ما يحدث حتى في كليات طب الأسنان اليوم..

بهذه الطريقة نستطيع أن نوفر الطبيبات المسلمات المتخصصات بهذا الفرع المهم، ونجنب بالتالي زوجاتنا وأخواتنا وبناتنا من انكشاف عوراتهن لدى أطباء النساء والولادة… وهو أمر ميسور إن صدقت النيات وتقدمت التوصيات إلى الحكومات والجامعات ووزارات التعليم العالي بذلك…”


[1]فتح الباري 6/80 كتاب الجهاد، المطبعة السلفية.

[2]فتح الباري: 10/136، كتاب الطب، باب هل يداوي الرجل المرأة، والمرأة الرجل.المطبعة السلفية، مصر.

المراجع

1. قرارات وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة التعاون الإسلامي (المؤتمر الإسلامي سابقا).من القرار 1 – 174، من الدورة الأولى في عام (1406هـ) – إلى الدورة الثامنة عشرة في عام (1428)
2. مجلة مجمع الفقه الدولي بجدة، العدد السابع، بحث: حكم التداوي في الإسلام، إعداد: د. علي محمد يوسف المحمدي.
3. مجلة المجمع الفقهي الدولي بجدة، العدد الثامن، أخلاقيات الطبيب، مسؤوليته وضمانه، إعداد: د. علي داود الجفال
4. مداواة الرجل للمرأة ومداواة الكافر للمسلم، إعداد: د. محمد علي البار، دار المنارة، جدة
5. الموسوعة الطبية الفقهية، إعداد: د.أحمد محمد كنعان، مادة (طب) و (عيادة),(خلوة)، دار النفائس، بيروت
6. أحكام التشخيص الطبي، إعداد:د. عبدالمجيد اليحيى، رسالة دكتوراة مقدمة لقسم الفقه بكلية الشريعة، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض.

مسائل ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى