قسم الأسرةباب النكاح

فحص المحتوى الوراثي لمصلحة الإنجاب

المسألة رقم 92

العناوين المرادفة

1. الأمراض الوراثية.
2. الفحص قبل الزواج.
3. الصحة الإنجابية.
4. الإرشاد الجيني.

صورة المسألة

فحص المحتوى الوراثي لمصلحة الإنجاب يقصد به معرفة الحاملين لأمراض وراثية في مجموعة عرقية معينة، أو في بلد معين، حتى يتجنب ظهور الأمراض الوراثية.
ويكتشف المرض بواسطة تحليل الدم والرَّحلان الكهربائي، وكلفتها محدودة وإجراؤه قبل الزواج ممكن.
وبحلول عام 1994م استطاع العلماء حصر الأمراض الوراثية المنتقلة عبر جين واحد بـ (6678) مرضاً، وما زالت قائمة هذه الأمراض تزداد يومياً باكتشاف المزيد منها بسبب تسارع البحث العلمي في مجال الجينات.
ورغم ذلك تظهر فوائد إجراء الفحص الطبي قبل الزواج في تقليل عدد المصابين بكثير من الأمراض الشائعة في المجتمع كالتلاسيميا أو المنجلية إما بعدم تزاوج حاملي الجين، أو إجراء الفحوصات عند الرغبة في الإنجاب، وكلفتها محدودة مقدور عليها.
وقد ثبت من الدراسات الطبية أن هناك عيوبا وراثية، بعضها عيوب خطيرة لا تتلاءم مع الحياة العادية، والبعض الآخر من الممكن أن يتلاءم مع الحياة العادية، وتوجد عيوب يمكن علاجها سوءا طبيا أو جراحيا، كما توجد عيوب لا يمكن علاجها حاليا.
وقد أصبح من الممكن الآن اكتشاف هذه العيوب بطرق علمية صحيحة لا يتطرق إليها الشك قبل الولادة وأثناء فترة الحمل، وهذه العيوب تعالج في الخارج بالإجهاض.
كما توجد عيوب تورث من الأب أو الأم للذكور فقط، أو الإناث فقط، وكذلك تعالج هذه العيوب في الخارج بمعرفة نوع الجنين واختيار السليم فيها وإجهاض الجنين المعيب.
فما حكم فحص المحتوى الوراثي لمصلحة الإنجاب؟!

حكم المسألة

بعد استجلاء طرق الإرشاد الجيني ووسائله الطبية، ومن خلال القواعد الفقهية والاعتبار الشرعي للمصلحة المرسلة، واعتبار المقاصد الشرعية في الأحكام، واعتبار مآلات الأحكام فإنه يمكننا الخروج بالأحكام الفقهية التالية:

لا يمكن إصدار حكم مطلق للإرشاد الجيني بدون تفصيل، لأن طرقه متعددة ووسائل هذه الطرق مختلفة، وتستجد كلما تقدم الطب، فلا بد أن تعطى كل طريقة من طرق الإرشاد الجيني حكماً مستقلاً بها وبوسائلها.

أ – حكم المسح الوراثي الوقائي:

بما أن هذه الطريقة تهدف إلى تقليل الأمراض الوراثية وتساعد الأطباء على وضع البرامج الوقائية لحماية الإنسان وابتكار الأدوية، كما تساعد في دفع الضرر قبل وقوعه، فإن الشريعة تجيز هذا النوع بشرط أن تكون الوسائل المستعملة مباحة آمنة لا تضر بالإنسان، ويجب الإجبار على هذه الطريقة إذا انتشر الوباء في بلد معين، أو إذا أمر به الإمام بدافع المصلحة ويصرف النظر عن الضرر الخاص الواقع على سرية الأفراد تحقيقاً لمصلحة دفع الضرر العام، مع وجوب المحافظة على نتائج هذا المسح حماية لأسرار الإنسان الخاصة، وحفاظاً على سمعته التي أمر الشرع بالمحافظة عليها والذب عنها.

ولا تسعف الأدلة الشرعية القول بوجوب هذا المسح على الجميع، فإن المفاسد المترتبة على القول بوجوبه أعظم من المصالح المرجوة منه.

 

ب – حكم الإرشاد الجيني قبل الزواج:

استناداً للفوائد المترتبة على هذه الوسيلة، وبناء على ما فيها من دفع للضرر قبل وقوعه، وتحقيقها للمقاصد الشرعية في الأحكام من صيانة النفس والنسل، فإن عمل هذا الفحص جائز، مع اشتراط الوسيلة المباحة الآمنة، ويجب في المجالات التالية:

  • إذا انتشر الوباء في مجتمع معين أو مجموعة عرقية معينة.
  • إذا ألزم به ولي الأمر، فإن طاعته في هذا واجبة بالمعروف لأنه تصرف فيه المصلحة، ويتحمل الضرر الحاصل فيه، لأنه من قبيل تحمل الضرر الخاص لدفع ضرر عام، والقول بوجوبه مطلقاً بعيد، لأن فيه إيجاب حق لم يأت الشرع به ولم يدل عليه، وفيه حرج على المكلفين نفسياً ومالياً، ويترتب على القول بوجوبه مطلقاً مفاسد ربما أدت إلى إحجام الشباب عن الزواج، ولأن هذا الفحص لا يبحث سوى مرض واحد أو اثنين ونتائجه لا تتحقق في الواقع بشكل كامل، وربما تخطئ وتصيب، وقد يحدث المرض الوراثي بعوامل أخرى.

 

ج – حكم التشخيص قبل زرع النطفة:

هي إحدى طرق التلقيح الاصطناعي الخارجي (الإخصاب المعملي)، حيث يتم الإخصاب في وسط معملي يؤخذ فيه الماءان من الزوج وزوجته، فتوضع في أنبوب اختبار طبي حتى تلقح نطفة الزوج بييضة زوجته إلى أن تنمو مرحلة (النوتة) ثم تفحص وراثياً، فإن كانت معيبة تركت وإن كانت سليمة أعيدت إلى الرحم.

وهذه الطريقة هي في الواقع طريقة من طرق طفل الأنابيب، وقد أجازها الفقهاء رحمهم الله للضرورة، فهذه الطريقة محفوفة بالمخاطر، منها: الاحتمال الكبير بحدوث الخطأ في اختلاط النطف، وخطر طلب الانتقاء في المواليد.

وعليه فلا تجوز هذه الطريقة من الإرشاد الجيني في الأحوال العادية حفاظاً على مقاصد الشريعة في صيانة النسل والنسب، ولأنها لا تجوز إلا للضرورة، وليست الفحوص الوراثية من الضرورات، وقد تقرر شرعاً أن درء المفاسد أولى من جلب المصالح، ثم إنه قد يسلم الإنسان من المرض الوراثي بسبب الوراثة ولا يسلم منه لعوامل أخرى.

 

د – حكم الفحص في أثناء الحمل:

لهذه الطريقة وسائل طبية متنوعة، ويمكن إجراؤها في مراحل مختلفة من الحمل، في أوله، ووسطه، وآخره، والذي أمكن الوقوف عليه من الوسائل ثلاث، وهي:

  • بواسطة الزغبات المشيمية.
  • بواسطة إزالة السائل الأمينوسي وفحصه.
  • بواسطة فحص دم الجنين.

ولا يختلف الحكم في هذه الوسائل باعتبار أن مؤداها واحد، فحكمها الجواز بناء على ما تحققه من محافظة على مقاصد الشريعة بصيانة النسل، ولما فيها من دفع الضرر قبل وقوعه، وللمصلحة المترتبة عليه.

أما إجبار المرأة الحامل على هذا الفحص، فيمكن القول بجواز الإجبار في جميع المراحل إذا وجدت قرائن ظنية، أو أمارات تفيد احتمال وجود مرض وراثي (مثل حمل المرأة إذا تعدت سن 35 للفحص عن متلازمة داون)، وكان ذلك بقول أهل الطب والخبرة الثقات، فإذا ظهرت صحة ذلك وتحقق وجود المرض قبل مرور مائة وعشرين يوماً على الحمل بتقرير لجنة طبية من الأطباء المختصين الثقات، وبناء على الفحوص الفنية بالأجهزة والوسائل المختبرية التي تفيد أن الجنين مريض مرضاً خطيراً غير قابل للعلاج، وأنه إذا بقي وولد في موعده ستكون حياته سيئة وآلاماً عليه وعلى أهله، فعندئذ يجوز إسقاطه بناء على طلب الوالدين.

وإذا كان الحمل قد بلغ مائة وعشرين يوماً فلا يجوز إسقاطه إلا إذا ثبت بتقرير لجنة طبية من الأطباء الثقات المختصين أن بقاء الحمل فيه خطر مؤكد على حياة الأم فعندئذ يجوز إسقاطه دفعاً لأعظم الضررين([1]).

وقد اختارت المنظمة في ندوتها الثانية عشرة سنة 1998م القول بعدم وجوبية الإرشاد الجيني، وندبت إليه للمقبلين على الزواج في سرية، كما نصحت بعدم زواج الأقارب في الأسر التي تشكو ظهور مرض وراثي في بعض أفرادها.

 

فجاء في توصيات الندوة الثانية عشرة ما يلي:

خامسا: الإرشاد الوراثي ” الجيني “. تدارست الندوة هذا الموضوع وأوصت بالآتي:

أ – ينبغي تهيئة خدمات الإرشاد الجيني للأسر، أو المقبلين على الزواج على نطاق واسع، وتزويدها بالأكفاء من المختصين، مع نشر الوعي وتثقيف الجمهور بشتى الوسائل لتعم الفائدة.

ب – لا يكون الإرشاد الجيني إجباريا، ولا ينبغي أن تفضي نتائجه إلى إجراء إجباري.

ج – يجب حياطة نتائج الإرشاد الجيني بالسرية التامة.

د – ينبغي توسيع مساحة المعرفة بالإرشاد الجيني في المعاهد الطبية والصحية والمدارس وفي وسائل الإعلام والمساجد بعد التأهيل الكافي لمن يقومون بذلك.

هـ – لما كانت الإحصاءات تدل على أن زواج الأقارب (في حدود ما أباحه الإسلام (قد يكون معدل انتقال العيوب الخلقية فيه أعلى فيجب تثقيف الجمهور في ذلك حتى يكون الاختيار على بصيرة، ولا سيما الأسر التي تشكو ظهور مرض وراثي في بعض أفرادها.

و- لا يجوز إجبار أي شخص على إجراء الاختبار الوراثي “.


(1) بتصرف من بحث “نظرة فقهية للإرشاد الجيني “، بقلم: أ. د. ناصر بن عبدالله الميمان، الأستاذ بجامعة أم القرى.

المراجع

1. الفتاوى الشرعية في المسائل الطبية لفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين ـ جمعها وأعدها: إبراهيم بن عبد العزيز الشثري س: ما حكم إجراء الفحص الطبي للزوجين قبل الزواج؟ (1/75).
2. الندوة الأولى للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية عنوانهــا: الإنجاب في ضوء الإسلام، الكويت، شعبان 1403 هـ مايو 1983 م.
3. نظرة فقهية للإرشاد الجيني، بقلم: أ. د. ناصر بن عبدالله الميمان، الأستاذ بجامعة أم القرى، نسخة إلكترونية.
4. الفحص الطبي قبل الزواج من منظور الفقه الإسلامي ـ دراسة علمية فقهية ـ بقلم: أ. د. علي محي الدين القره داغي أستاذ ورئيس قسم الفقه والأصول / جامعة قطر والخبير بمجمع الفقه الإسلامي بمكة المكرمة، وجدة وعضو المجلس الأوروبي الإفتاء والبحوث.
5. اللجنة الوطنية للأخلاقيات الحيوية والطبية بمدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية، حلقة نقاش “من يملك الجينات..؟” 5 شعبان 1424هـ.
6. ” أحكام الهندسة الوراثية “، رسالة الدكتوراه في الفقه، د/ سعد بن عبد العزيز بن عبد الله الشويرخ، كلية الشريعة، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، دار كنوز إشبيلية، الرياض، الطبعة الأولى، 1428هـ.

مسائل ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى