قسم الجنايات والقضاء والعلاقات الدوليةباب الجنايات

رفع أجهزة الإنعاش عن الميت دماغياً

مسألة رقم 58

صورة المسألة

هذه المسألة تتناول حكم رفع أجهزة الإنعاش عن موتى الدماغ من قبل الطبيب، وهل يعد الفعل من الطبيب جناية توجب العقوبة؟

حكم المسألة

يرى الأطباء أن هناك جملة أضرار تترتب على إبقاء المريض مرتبطاً بجهاز الإنعاش مع موت جذع دماغه، منها:

1ـ أن رعاية الجثة وتنظيفها أمر يسبب آلاماً مبرحة لأسرة ذلك المريض وللأطباء ولهيئة التمريض.

2ـ أن تكاليف وسائل الإنعاش باهظة جداً، وصرف الملايين لجعل جثث تتنفس أمر ليس له معنى.

3ـ أن هذه الأجهزة باهظة الثمن وقليلة العدد، ويحتاجها كثير من المصابين، وتعطيلها على مجموعة من الحالات التي كان بالإمكان إنقاذها لو استخدمت معهم وسائل الإنعاش في حينها، وترك شخص يموت لعدم وجود وسائل إنعاش، أو لأن وسائل الإنعاش موضوعة في شخص مات دماغه أمر ليس له ما يبرره.

4ـ العاملون في وحدات العناية المركزة يصابون بالإحباط لمعرفتهم بأن مآل جهودهم هباء، ويؤثر ذلك على مستوى عنايتهم بالمرضى الآخرين.

وبناء على ما ذكره الأطباء نص بعض الفقهاء المعاصرين على جواز رفع أجهزة الإنعاش عن الشخص الذي مات دماغه بشرطين:

الشرط الأول: أن يكون الشخص ميئوساً منه، ولا يوجد أدنى أمل في شفائه، وأنه لا يعيش أكثر من عدة أيام مع وضع هذه الأجهزة عليه، وهذا القرار للأطباء على وجه القطع في الأخبار.

 

الشرط الثاني: توافر الداعي لفصل الأجهزة، وهو أحد أمرين:

الأمر الأول: إذا كانت أجهزة الإنعاش التي خصصت لهذا الجسم قد وجد من هو أحوج لهذه الأجهزة منه، من حيث تحقق شفائه بها، أو وجود حياة كاملة فيه فحينئذ يجوز فصلها عن ميت الدماغ؛ عملاً بقاعدة: (إذا تعارضت مصلحتان إحدهما محققة والأخرى محتملة فتقدم المحققة) ومصلحة من يرجى شفاؤه وإنقاذه من وضع هذه الأجهزة محققة، وأما مصلحة ميت الدماغ فموهومة، وقاسوها على حكم القاضي بموث الزوج المفقود لمصلحة الزوجة، فمصلحتها محققة، ومصلحة بقاء الزوج على قيد الحياة محتملة، فتقدم الأولى على الثانية.

الأمر الثاني: إذا كانت النفقات التي تتطلبها مواصلة الإنعاش تلتهم من الرصيد ما يعود بالضرر على مستوى العلاج لبقية المرضى؛ كحالة الدول التي لا تمتلك قوة مالية.

فإن توافر الداعي عند القائل به جاز رفع الأجهزة ويكون الأمر متروكاً للطبيب إن شاء أبقاه تحت هذه الأجهزة أو صرفها عنه.

ومن هؤلاء المعاصرين من نص على اعتبار قرار الطبيب المختص المتجرد من أي غرض أن الشخص ميئوس منه.

وعليه قرار مجمع الفقه الإسلامي لمنظمة التعاون الإسلامي، وقرار المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي، وقرار هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية، والقراران الأخيران اشترط فيهما أن يكون رفع الأجهزة مكونة من لجنة مكونة من ثلاثة أطباء مختصين خبراء في حين لم يتضمن قرار مجمع الفقه الإسلامي لمنظمة التعاون الإسلامي ذكر العدد، وينبغي أن يكون قرار الأطباء متضمناً بيان أن جميع وظائف الدماغ قد تعطلت تعطلاً نهائياً، وأن هذا التعطل لا رجعة فيه، وزاد مجمع الفقه الإسلامي للمنظمة أن يأخذ دماغه في التحلل.

وقد جاء في قرارات وتوصيات ندوة الحياة الإنسانية بدايتها ونهايتها في المفهوم الإسلامي ما نصه: (اتفق الرأي على أنه إذا تحقق موت جذع المخ بتقرير لجنة مختصة جاز حينئذ إيقاف أجهزة الإنعاش الصناعية).

ومن الملاحظ: شبه الاتفاق بين الفقهاء المعاصرين على جواز رفع الأجهزة، سواء منهم المؤيدين لاعتبار موت الدماغ نهاية لحياة الإنسان، والمعارضين لذلك.

 

والسبب أن من اعتبره موتاً كفاه دليلاً على جواز رفع أجهزة الإنعاش اعتباره هذا، وأما المعارضون فأجازوا رفع الأجهزة عن موتى الدماغ لاعتبارين، هما:

الاعتبار الأول: أن الحياة الحقيقية ليست تلكم التي تبعث من أجهزة الإنعاش، وإنما الحياة ذلك السر المنبعث من داخل الكيان، بل من أجزاء الجسد، وبالتالي فلا يعد فصلها قتلاً.

الاعتبار الثاني: أن التداوي إنما يجب أو يسن عندما يتيقن الشفاء أو يترجح، أما إذا لم يكن هذا أو ذاك فلا يجب ولا يسن اتفاقاً، وبما أن وضع أجهزة الإنعاش يراد للتداوي، فلا يجب ولا يسن في حق الموتى لأن الغالب عدم استفادتهم منها.

بالإضافة إلى أن المعارضين اعتبروا حال ميت الدماغ حالة من ينازع الموت (المحتضر)، ولذا قالوا: إن رفع أجهزة الإنعاش إنهاء لما يؤلمه من حال النزع والاحتضار؛ إذ فيها إطالة لمعاناته وآلامه، وبقاؤها إجراء لا طائل من ورائه.

وبناء على ما سبق فإن الاعتداء على ميت الدماغ مع استمرار مظاهر الحياة فيه، أو استئصال شيء من أعضائه التي أذن بالانتفاع بها بعد موته، وهو غالب ما يحصل في الوقت الراهن، وكذا رفع أجهزة الإنعاش عن ميت الدماغ مع عدم توافر الشروط السابقة بعد ذلك كله جريمة تعاقب عليها الشريعة الإسلامية.

وقد ذكر بعضهم أن اعتداء الطبيب على إنسان في هذه الحالة بوقف الأجهزة المنشطة أو بنزع الأنابيب المغذية دون سبب ضروري له حكمه المعروف، وهو قتل التسبب، ولهذا عقوبته المعروفة، أما إذا كان بسبب الحاجة إلى الأجهزة لإنقاذ حياة مريض آخر يتحقق شفاؤه، وصدر القرار من لجنة طبية موثوقة جاز حينئذ نزع الجهاز عنه.

وعلى وجوب المسؤولية الجنائية بالاعتداء على ميت الدماغ بالقتل سارت الأنظمة المعاصرة لوجود القصد الجنائي والفعل العدواني؛ لأن الطبيب إذا أبيح له رفع جهاز الإنعاش في حالات محددة، وبناء على رأي لجنة طبية أو طبية قضائية فإنه لا يسأل عن فعله هذا وأما إن خالف في فعله شروط الإباحة ونزع الجهاز عن المريض، ولو بدا أنه ميت فإنه يسأل عن هذا الفعل جنائياً، وينظر إلى تعمده أو خطئه، ولا عبرة بالباعث وإن كان حسناً؛ إذ الشرط ألا يتجاوز رأي اللجنة المختصة بذلك.

المراجع

• نوازل الجرائم الطبية (رسالة دكتوراه ـ الفقه ـ الشريعة)، د. أمل الدباسي (211) فما بعدها.
• المسائل الطبية المستجدة في ضوء الشريعة الإسلامية، د. محمد النتشة (2/23).
• موت القلب أو الدماغ، د. محمد البار (90).
• معصومية الجثة في الفقه الإسلامي، د. بلحاج العربي (63).
• الأحكام الشرعية للأعمال الطبية، احمد شرف الدين ومحمد سيد طنطاوي (160).
• فقه القضايا الطبية، اد.علي القره داغي، ود.علي المحمدي(482).
• فقه النوازل، د. بكر أبو زيد (299).
• قضايا فقهية معاصرة، د.محمد سعيد البوطي (127).
• مجلة مجمع الفقه الإسلامي (2/ 713).
• بحوث ندوة الحياة الإنسانية
• حكم نقل الأعضاء في الفقه الإسلامي، عقيل العقيلي (154).
• أحكام لجراحة الطبية والآثار المترتبة عليها، د. محمد الشنقيطي (330).
• الطبيب أدبه وفقهه، زهير السباعي، ومحمد البار(44).
• الفتاوى المتعلقة بالطب وأحكام المرضى، جماعة من العلماء (327).
• أحكام نقل أعضاء الإنسان في الفقه الإسلامي. د. يوسف الأحمد 1/203-360

مسائل ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى