قسم الأسرةباب النكاح

رتق غشاء البكارة

المسألة رقم 73

العناوين المرادفة

1. إعادة البكارة.
2. إعادة غشاء البكارة.

صورة المسألة

البكارة: فعالة من البكر، وهو أوّل كلِّ شيء، والمرأة البكر هي العذراء التي لم تجامَعْ بنكاحٍ صحيحٍ ولا فاسد، وعلامة البكارة: غشاء أو جلدة يكون في القبل يسمى غشاء البكارة أو الغشاء العُذْري( ).
وغشاء البكارة هو غشاء موجود حول فتحة المهبل الخارجية، ويتكون من طبقتين، هما الجلد الرقيق، وبينهما نسيج رخو، غنيٌّ بالأوعية الدموية، ولفتحة غشاء البكارة أشكال متعددة، فمنها المستدير والهلالي، والغربالي، والمنقسم طولياً، وقد يكون مصمتاً، أي: بدون فتحة في بعض الحالات النادرة، مما لا يسمح بمرور دم الطمث للخارج وتراكمه في المهبل، ثمّ في الرحم( ).

حكم المسألة

وجود غشاء البكارة، وعدم وجوده لا يعد دليلاً قاطعاً على حصول الوطء، فإنَّ بعض البنات يولدنَ دون وجود غشاء بكارة، كما أنه قد تكون فتحة غشاء البكارة واسعةً خلقةً، لا تتأثر بالوطء، كما أنَّ تمزُّقَه قد يحصل نتيجةً لحادثٍ عاديٍّ، وقد تحتاج المرأة لإجراء عمليةٍ لفتح غشاء بكارة مقفل، يمنع خروج دم الحيض.

ولكنه مع ذلك قرينة تدل على حصول الوطء من عدمه([1]) ومعنى رتق الغشاء العذري أي إصلاحه طبياً ليعود إلى وضعه قبل التمزق.

تحرير محلِّ النزاع: لا خلاف بين الباحثين المعاصرين أنَّ تمزق غشاء البكارة إذا كان قد حصل بسبب وطءٍ في عقد نكاح صحيح، يحرم رتقه، سواء كانت المرأة متزوجةً، أو مطلَّقةً، أو أرملةً، لأنَّ رتقه في هذه الحال لا مصلحةَ فيه، بل فيه مفسدة الغشِّ وخداع الزوج المنتظر.

ولا خلاف بينهم-أيضاً-: أنَّ تمزَّق غشاء البكارة إذا كان بسبب زناً ثابتٍ بحكمٍ قضائيٍّ على الفتاة، أو كان زناها مشتهراً بين الناس: فإنه يحرم على الطبيب رتق غشاء بكارتها، لعدم المصلحة، واشتماله على المفسدة، المتمثِّلة: بفتح الباب لكلِّ من تسوِّل لها نفسها من الفتيات بالزنا، ثمُّ رتق غشاء بكارتها، لإيهام الزوج المنتظر: بأنها بكرٌ عفيفة([2]).

 

وإنما الخلاف في حكم رتق غشاء البكارة إذا كان تمزُّق البكارة حادثاً بسببٍٍ غير الوطء، أو بزناً لم يشتهر بين الناس على قولين:

القول الأول: تحريم الرتق مطلقاً: وهو قول لبعض الباحثين([3]).

القول الثاني: أنه يجوز رتق غشاء بكارة الزانية، وهو قول لبعض الباحثين([4]).

 

أدلة القول الأول القائل بتحريم الرتق مطلقاً:

استدلَّ أصحاب هذا القول بعددٍ من الأدلَّة، أهمُّها ما يأتي:

الدليل الأول: أنَّ رتق غشاء البكارة يسّهل ارتكاب الزنا أمام من لا يخاف الله من الفتيان والفتيات، متى ضمن الزانيان إرجاع بكارة الفتاة كما كانت، وهذه مفسدةٌ إذا فتح بابها قد يتعذَّر إغلاقه أمام رواد الجريمة.

الدليل الثاني: أنَّ في رتق غشاء البكارة اطِّلاعاً على العورة المغلَّظة دون موجبٍ ضروريٍّ مباح، وهذا أمرٌ محرَّمٌ بنصوص الشرع المطهَّر.

الدليل الثالث: أنَّ رتق الغشاء المذكور وسيلةٌ لاختلاط الأنساب, إذ قد تحمل الفتاة الزانية من الزاني، ثم تتزوج بعد رتق غشاء بكارتها، وحينئذٍ يلحق الحمل بالزوج, ولا يخفي ما الذي يترتَّب على اختلاط الأنساب، من إرث من لا يستحق الإرث، وكشفِ نساء وبنات الزوج على من ليس ابنا شرعياً له، وخلوته بهنَّ في السفر وغيره، إلى غير ذلك من المفاسد والأضرار الكبيرة.

الدليل الرابع: أنَّ رتق غشاء البكارة من أعظم أنواع الغشِّ والتزوير الذي يلحق الضرر بالزوج ديناً ودنيا، والغشُّ والضرر كلاهما محرَّمٌ تحريماً شديداً.

كقوله ﷺ «لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ» (أخرجه الإمام مالك في الموطأ، ح: 1429، والإمام أحمد في المسند، ح: 2867، وابن ماجه، ح: 2341، والدارقطني، ح: 83، والطبراني في المعجم الكبير، ح: 1387، وأبو يعلى في مسنده، ح: 2520 والبيهقي في السنن الكبرى، ح: 11166، والحاكم في المستدرك، ح: 2345) وهذا نفيٌ لسائر أنواع الضرر، وكلَّما عظم الضرر عظم النهي عنه، واشتدَّ إثمه، ولا يرتاب من له علمٌ وبصيرةٌ بعظم الأضرار والمفاسد المترتبة على رتق غشاء بكارة المطاوعة للزاني([5]).

 

أدلة القول الثاني القائل بالجواز:

الدليل الأول: أنَّ الستر مندوب إليه في الشريعة الإسلامية، كما في قوله صلى الله عليه وسلم «مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَة » أخرجه البخاري، ح: 2442، 6951، ومسلم، ح: 2580، والرتق يحقق ذلك المقصود.

الدليل الثاني: أنَّ رتق غشاء بكارة المزنيِّ بها يمنع انتشار الفاحشة، وإشاعة الحديث حولها، وهذا له أثرٌ تربويٌ، ومصلحةٌ عامةٌ في المجتمع.

الدليل الثالث: أنَّ المرأة في كثيرٍ من حالات وقوعها في الفاحشة بريئة منها، لكونها وطئت قهراً، أو انخداعاً تحت أيِّ سببٍ من الأسباب، وفي إجراء الرتق قفلٌ لباب سوء الظن بها من قبل الزوج المنتظر.

 

بعد عرض القولين، ظهر أنَّ الأمر لا يخلو من حالين:

الحال الأولى: أن يكون زوال البكارة بوطء اغتصاب لا سبب لها فيه، أو بفعلٍ لا يعدُّ معصيةً شرعاً، فإنّه يجوز رتق بكارتها، لأنها إن كان زاول بكارتها بالاغتصاب، أو بفعلٍ لا معصية فيه فإنه لا ذنب لها، فتكون مستحقةً لسترها وجبر خاطرها بإصلاح غشائها، ولأنَّ زوال بكارة المرأة بغير الوطء لا يخرجها عن كونها بكراً، وقد عرَّف أهل العلم البكر(بأنها المرأة التي لم تجامَعْ) قال ابن قدامة: “وإذا ذهبت عذريتها بغير جماعٍ كالوثبة، أو لشدة حيضة، أو بإصبعٍ، أو عودٍ ونحوه فحكمها حكم الأبكار”([6]).

وعليه: فإنَّ من زالت بكارتها بما ذكر: فإنّه يجوز إصلاح غشائها العذري لكونها بكراً، ولأنه ليس في ذلك غشٌّ ولا تدليسٌ ولا كذب([7]).

وكشف العورة في هذه الحال هو كشفٌ للضرورة إلى ذلك.

 

الحال الثانية: أن يكون زوال البكارة بسبب وطء الزنا، أو وطءٍ من زوجٍ سابق فالأكثرون على أنه لا يجوز رتقه ولا إصلاحه، لأنها إن كان زوال بكارتها بوطء الزنا فرتقها إعانةٌ على الإثم والعدوان، وفتحٌ لباب الفساد على مصراعيه أمام الزناة، وإن كان زوالها بوطء زوجٍ سابقٍ فرتقها تدليسٌ وغشٌّ للزوج المنتظر في المستقبل، وكلا الأمرين محرَّم، والله أعلم.

وقد صدرت فتوى مفتي مصر في26/6/1419هـ تتضمن: ” أنه لا مانع شرعاً من أجراء العمليات الجراحية للأنثى التي اختطفت وأكرهت على مواقعتها جنسياً لإعادة بكارتها “([8]).


([1]) رؤية لبعض القضايا الطبية، د. عبدالله باسلامة ص100، الموسوعة الطبية ص154.

([2]) الاغتصاب أحكام وآثار، لهاني بن عبدالله بن محمد الجبير، ص:12، وتكملة فتاوى الموقع، للشيخ محمد بن صالح العثيمين.

([3]) غشاء البكارة من منظرو إسلامي، لعز الدين الخطيب، رتق غشاء البكارة في ميزان المقاصد الشرعية د. محمد نعيم ياسين، وأحكام الجراحة الطبية للشنقيطي، ص428، الموسوعة الطبية الفقهية ص156، والاغتصاب أحكام وآثار، ص :12..

([4]) غشاء البكارة من منظورٍ إسلامي، ورتق غشاء البكارة في ميزان المقاصد الشرعية،ص: وأحكام الجراحة الطبية، ص 428، والموسوعة الطبية الفقهية، ص156، والاغتصاب أحكام وآثار، ص :12، والوجيز في أحكام الجراحة الطبية والآثار المترتبة عليها، لفهد بن عبد الله الحزمي 1/31.

([5]) مشارق الأنوار على صحاح الآثار، للقاضي عياض بن موسى اليحصبي2/57، والتمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد،ليوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي 20/158-159.

([6]) المغني، 9 / 411,.

([7]) فتاوى الإسلام سؤال وجواب، بإشراف: الشيخ محمد صالح المنجد، رقم الفتوى: 6343، قام بجمعها : أبو يوسف القحطاني.

([8]) جريدة الشرق الأوسط الأربعاء غرة رجب عام 1419هـ.

المراجع

1. مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، قرار رقم: 173 (11/18).
2. حكم رتق غشاء البكارة، خالد بن سعود البليهد، موقع صيد الفوائد.
3. فتاوى يسألونك، حسام الدين عفانة (5 / 159).
4. في المحيط الفقهي، فهد بن عبد الله العازمي (1 / 43).
5. فتاوى الإسلام سؤال وجواب، (1 / 6346) سؤال رقم 844: حكم إجراء عملية رتق غشاء البكارة، الإسلام سؤال وجواب -الشيخ محمد صالح المنجد
6. فتاوى الأزهر، (1 / 350) المفتي عبد اللطيف حمزة، 9 يناير سنة 1984م.
7. صفوة المسائل في التوحيد والفقه والفضائل، (1 / 483: 482).
8. مجلة البحوث الإسلامية، مجلة دورية تصدر عن الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، جزء 57 ص 221.
9. الوجيز في أحكام الجراحة الطبية والآثـار المتـــرتبة عليها، بقلم فهد بن عبد الله الحزمي.
10. الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت.
11. تطبيق القواعد الفقهية على المسائل الطبية، الدكتور/ محمد بن عبد العزيز المبارك الأستاذ المشارك بكلية الشريعة.
12. سلسلة فقه الأسرة برؤية مقاصدية (7) أحكام العشرة الزوجية وآدابها، تأليف / نور الدين أبو لحية، دار الكتاب الحديث، القاهرة.
13. القواعد الفقهية المتعلقة بأحكام التداوي وتطبيقاتها الطبية المعاصرة، د/ أحمد بن محمد السراح، الأستاذ المشارك بقسم أصول الفقه بكلية الشريعة بالرياض، ” بحث مقدم لمؤتمر الفقه الإسلامي الثاني”.
14. رتق غشاء البكارة من منظور إسلامي، للشيخ عز الدين الخطيب التميمي -المطبوع ضمن أبحاث ندوة الرؤية الإسلامية لبعض الممارسات الطبية، المنعقدة بالكويت بتاريخ السبت 20شعبان 1407هـ، الموافق 18أبريل 1987م.

مسائل ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى