قسم العباداتباب الطهارة

دفع الحيض واستجلابه بالوسائل الحديثة

مسألة رقم 15

صورة المسألة

أن تتناول المرأة دواءً من شأنه أن يوقف عنها دم الحيض لأداء عبادة أو فعل شي يمنعه الحيض، أو تتناوله بقصد جلب الحيض ليحصل الحمل ونحوه.

حكم المسألة

هذه المسألة قديمة بجنسها حادثة بنوعها، ذلك أن تعجيل الحيض أو تأخيره ورفعه مما عرفه فقهاؤنا قديما وتكلموا فيه، وقد سئل عنه الإمامان مالك وأحمد ـ رحمهما الله ـ، وذُكرت المسألة في كتب الفروع، غير أن استعمال الأدوية والوسائل المعاصرة، من حبوب ولوالب ولصقات، والتطور الكبير في مجال الطب جعل الحاجة قائمة لإعادة النظر فيها وفق ما يقتضيه النظر الشرعي والعرف الطبي.

والمسألة ذات شقين:

أحدهما: رفع الحيض أو تأخيره.

والثاني: استجلاب الحيض وتعجيله.

والحكم عند المتقدمين يدور بين الجواز بشروط والكراهة خوف لحوق الضرر.

غير أن كلامهم انصب على حكم أخذ الدواء أو العلاج ولم ينقل عن أحد منهم كلام في الأثر المترتب عن الجلب أو الدفع إلا ما ذكره ابن فرحون المالكي في كتابه مناسك الحج حين تكلم عمن ترفع حيضها لأجل طواف الإفاضة قال:

(وما يفعله النساء من الأدوية لقطع الدم وحصول الطهر إن علمت أنه يقطع الدم اليوم ونحوه فلا يجوز لها ذلك إجماعا، وحكمها حكم الحائض، وإذا استدام انقطاعه نحو ثمانية أيام أو عشرة فقد صح طوافها إذا طافت في ذلك الطهر، وإن عاودها في اليومين والثلاثة إلى الخمسة فقد طافت وهي محكوم لها بحكم الحيض، فكأنها طافت مع وجود الدم، ولم أر نصا في جواز الإقدام على ذلك إذا كانت جاهلة بتأثيره في الدم)([1]).

 

حكم رفع الحيض وتأخيره:

وهنا حالتان أيضا، إحداهما: حالة تأخير نزول دم الحيض عن وقته المعتاد، بحيث تمُدُّ المرأة في وقت طُهرها.

والأخرى: حالة رفع الحيض بعد نزوله أو تقليل مدته.

والذي يظهر أنه يجوز للمرأة تعاطي دواء أو غيره يؤخر نزول دم الحيض عن وقته المعتاد بشرط أمن الضرر، وهو ما أفتت به اللجنة الدائمة للإفتاء، إذ سئلت: هل يجوز للمرأة استعمال دواء لمنع الحيض في رمضان أو لا؟

فأجابت: (يجوز أن تستعمل المرأة أدوية في رمضان لمنع الحيض إذا قرر أهل الخبرة الأمناء من الدكاترة ومن في حكمهم أن ذلك لا يضرها، ولا يؤثر على جهاز حملها، وخير لها أن تكف عن ذلك، وقد جعل الله لها رخصة في الفطر إذا جاءها الحيض في رمضان، وشرع لها قضاء الأيام التي أفطرتها ورضي لها بذلك دينا)([2]).

وأفتت بمثله دار الإفتاء المصرية([3])، والشيخ ابن باز([4]).

غير أن جمعا من أهل العلم يرون أن ترك هذا العمل أولى من الإقدام عليه، وحذروا منه، غير أنهم لم يصرحوا بتحريمه([5]).

أما رفع الحيض بعد نزوله، فالذي يظهر أيضا أنه مثل تأخير نزوله في الحكم، مع مراعاة الضابط الذي ذكره ابن فرحون في مدة الطهر، بحيث لا تقل عن أقل مدة الطهر المعتبر شرعا على خلاف بين الفقهاء في تقديره، ذلك أن بعض الأدوية ترفع الدم أو تؤخره بشرط الاستمرار في تعاطيه كل يوم، فإذا انقطعت المرأة عن شربه نزل الدم مباشرة، فلا يجوز للمرأة أن تشرب هذا الدواء لترفع عنها الحيض اليوم واليومين ثم تنقطع فيعود حيضها.

 

حكم استجلاب الحيض وتعجيله:

إذا كان استجلاب الحيض أو تعجيله لحاجة طبية أو شخصية مباحة، كمن عزمت على الحج أو العمرة وهي تعلم أن ذلك يوافق وقت حيضتها، فتأخذ دواء لتعجل وقت حيضتها أو تقلل مدته حتى تسافر وهي طاهرة وتأمن نزول الدم عليها حال إحرامها، فهذا من الفعل المباح، وبه أفتت اللجنة الدائمة للإفتاء، فقد ورد عليها السؤال التالي: (انقطعت العادة الشهرية عن زوجتي لأكثر من خمسة شهور ولم تظهر نتيجة الحمل بالتحاليل والكشف الطبي ووصف لها الطبيب حبوبا لجلب العادة الشهرية فهل لها أن تأخذ هذه الحبوب؟

فأجابت: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه.. وبعد: يجوز لها أخذ الحبوب إذا قرر الطبيب أنها لا تحدث ضررا أكثر من المصلحة أو مساوية لها)([6]).

وقد أفتى بمثله الشيخ ابن عثيمين([7]) ـ رحمه الله ـ

ومما ينبغي التنبيه عليه في هذا المقام أنه لا يجوز للمرأة استعمال هذا الدواء للتحايل على أمور الشرع، كأن تأخذ دواء تجلب به الحيضة أو تطيل مدتها حتى لا تصوم في فصل الصيف مثلا، وتقضي في الشتاء، أو لتتعجل الخروج من عدتها إن كانت من ذوات الأقراء، أو لإلحاق الضرر بزوجها بمنعه من معاشرتها.

فإن فعلت ذلك أثمت وترتب عليه جميع ما يترتب على نزول دم الحيض.


([1]) إرشاد السالك إلى أفعال المناسك لابن فرحون (1/322-323).

([2]) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث (5/400).

([3]) فتوى رقم(3355).

([4]) موقع الشيخ، فتاوى نور على الدرب (18696) http://www.binbaz.org.sa

([5]) مجموع فتاوى ورسائل الشيخ ابن عثيمين، م11، باب الحيض، عدة فتاوى.

([6]) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (10/340) فتوى (4543).

([7]) فتاوى نور على الدرب من موقع الشيخ (7021):http://www.ibnothaimeen.com

المراجع

1. دفع الحيض واستجلابه واضطراباته، تهاني بنت عبدالله الخنيني.
2. فتاوى دار الإفتاء المصرية.
3. فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (5/400)، و(10/340ـ341) فتوى (4543).
4. فقه القضايا المعاصرة في العبادات، عبدالله أبوزيد، ص(261).
5. مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين.
6. موقع إسلام ويب http://www.islamweb.net
7. موقع الشيخ ابن باز http://www.binbaz.org.sa
8. موقع الشيخ ابن عثيمين http://www.ibnothaimeen.com

مسائل ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى