قسم العباداتباب الطهارة

حكم المسح على الباروكة في الوضوء

مسألة رقم 11

صورة المسألة

يوجد في الأسواق أنواع من الشعر المستعار، ترتديه النساء والرجال على السواء، بعضه مصنوع من شعر آدمي، أو حيواني، وبعضه خيوط صناعية تشبه الشعر الطبيعي، والكل يعرف بالباروكة([1]).

والباروكة أنواع، منها ما يلبس وينزع دون مشقة حسب رغبة اللابس، ومنها ما يلبس ولا ينزع إلا بمشقة وكلفة، وقد تمتد مدة اللبس إلى الشهرين، أو تنزع مع كل حلاقة.

ومنها ما يغطي جميع شعر الرأس، وهذا ما يفعله غالب النساء، ومنها ما يغطي جزءا من الرأس فقط، وهذا يلبسه الرجال ممن أصاب الصلع جزءا من رؤوسهم.

فإذا لبس المسلم شيئا من ذلك، هل يجوز له المسح عليه في الوضوء؟

([1]) ينظر حكم لبس الباروكة في قسم فقه الأطعمة واللباس والزينة والآداب.

حكم المسألة

لا يخلو حال الشعر المستعار (الباروكة) أن يكون ساترا لجميع الرأس أو لا؟ فهذه صورتان:

الصورة الأولى: أن تكون الباروكة ساترة لبعض الرأس، فهل يجوز المسح عليها في الوضوء؟

لم أجد فيما وقفت عليه من كتب المعاصرين وأقوالهم على من ذكر هذه المسألة، ولكن يمكن تخريج حكمها على قولين:

الأول: وهو ما يقتضيه مذهب المالكية والحنابلة أنه لا يجوز المسح عليها، بل يتعين نزعها.

ووجهه: أن من شرط المسح عندهم إيعاب جميع شعر الرأس بالمسح، والباروكة تمنع ذلك، فلا تصح الطهارة معها.

 

الثاني: جواز المسح، وهو مقتضى قول الحنفية والشافعية.

ووجهه: أن فرض المسح عندهم يحصل بمسح بعض الرأس، ومن مسح على جزء من رأسه ومسح على الباروكة، فقد حقق الواجب، وصحت طهارته.

وقد صدرت فتوى عن قطاع الإفتاء بدولة الكويت بجواز المسح عليها والاغتسال بها إذا كان الماء ينفذ منها إلى بشرة الرأس([1]).

 

الصورة الثانية: أن تكون الباروكة ساترة لجميع شعر الرأس، فهل يجوز المسح عليها في الوضوء؟

الذي تقتضيه أصول وفروع المذاهب الفقهية الأربعة عدم جواز المسح على الباروكة إذا كانت تغطي جميع الرأس، ذلك أنها إما أن تلحق بعمائم الرجل، أو خُمُر النساء، وبيان ذلك:

أن الحنفية يمنعون المسح على العمامة والقلنسوة مطلقا، قال الكاساني([2]): “ولا يجوز المسح على العمامة والقلنسوة؛ لأنهما يمنعان إصابة الماء الشعر”.

وهو مذهب المالكية أيضاً، غير أنهم أجازوا المسح على العمامة لمن خاف على نفسه الضرر بنزعها، قال الدسوقي: “يجوز المسح على عمامة خيف بنزعها ضرر الرأس”([3]).

وهو مذهب الشافعية، قال النووي: “قال المصنف ـ رحمه الله ـ وإن كان على رأسه عمامة ولم يرد نزعها مسح بناصيته، والمستحب أن يتم المسح بالعمامة ….. قال النووي: فإن اقتصر على مسح العمامة لم يجزئه؛ لأنها ليست برأس، ولأنه عضو لا يلحق المشقة في إيصال الماء إليه، فلا يجوز المسح على حائل منفصل عنه كالوجه واليد”([4]).

وحتى الحنابلة الذين يجيزون المسح على العمامة، جعلوا من شروطها أن تكون على صفة عمائم المسلمين، بأن تكون محنكة؛ فهي التي يشق نزعها([5])، والباروكة ليست كذلك.

وأما مسح المرأة على خمارها فالخلاف فيها أضعف من الخلاف في المسح على عمائم الرجال؛ لعدم ورود نص فيها بالجواز.

ولولا ما وجد في بعض المواقع من جواز المسح على الباروكة لما نُصِب الخلاف في المسألة.

 

اختلف المعاصرون في حكم المسح في الوضوء على الشعر المستعار على اتجاهين:

الاتجاه الأول: جواز المسح.

واستدلوا بما يلي:

أولا: قياس المسح على الباروكة على المسح على العمامة للرجل، ويشهد لهذا:

ما رواه المغيرة بن شعبة ؓ (أن النبي ﷺ توضأ، فمسح بناصيته، وعلى العمامة، وعلى الخفين). [البخاري (182) ومسلم (274)]. وفي لفظ عند مسلم أيضا: (أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح بناصيته وعمامته).

وما رواه بلال ؓ (أن رسول الله ﷺ مسح على الخفين والخمار). [مسلم (275)].

ونوقش: بأن النبي ﷺ مسح على ناصيته وأتم المسح على العمامة، ولم يمسح على العمامة فقط، جمعا بين النصين.

وبأن الباروكة ليست عمامة ولا هي في معناها، والنص إنما ورد في العمامة.

ثم إن النبي ﷺ إنما مسح على العمامة لمشقة نزعها، فهي رخصة لمن احتاجها، ولا مشقة في نزع الباروكة.

ثم إن العمامة مأذون في اتخاذها، بخلاف الباروكة، فجماهير أهل العلم على حرمة لبسها، والرخص لا تناط بالمعاصي.

 

ثانيا: قياس المسح على الباروكة على المسح على الخمار في حق المرأة.

 

الاتجاه الثاني: عدم جواز المسح على الباروكة في الوضوء.

ووجهه: أن الله تعالى أوجب مسح الرأس بقوله: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ ) [المائدة: 6]، والباروكة تمنع وصول الماء إلى شعر الرأس، فلم يجز المسح عليها.

يبقى النظر فيما لو لبس المسلم شعرا مستعارا وكان مما يشق نزعه، بحيث لا ينزع إلا عند مختص، وفي فترات متباعدة، فكيف يصنع في غسله ووضوئه؟

ولم نقف في حدود ما اطلعنا عليه على من أفتى فيها بشيء من المعاصرين، وهي مسألة محتملة.


([1]) فتوى رقم (9166)، http://cms.islam.gov.kw.

([2]) بدائع الصنائع (1/9).

([3]) حاشية الدسوقي (1/113).

([4]) المجموع شرح المهذب (1/438).

([5]) المغني (1/185)، الفروع (1/163)، الإنصاف (1/186).

المراجع

1. فقه القضايا المعاصرة في العبادات، عبد الله بن بكر أبو زيد، ص (218ـ233).
2. موقع الإسلام سؤال وجواب، فتوى(148129)،
http://islamqa.info/ar
3. موقع إسلام ويب، فتوى (113700)، http://www.islamweb.net
4. موقــع الشيخ ابن جبـرين، رقــم(17595)، http://ibn-jebreen.com

مسائل ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى