قسم الجنايات والقضاء والعلاقات الدوليةباب الجنايات

جريمة نقل مرض الإيدز.

مسألة رقم 237

العناوين المرادفة

1. جناية نقل فيروس الإيدز.
2. جنايات مرضى نقص المناعة.
3. جناية مريض الإيدز بنقل العدوى.
4. نقل عدوى مرض نقص المناعة عمدا.

صورة المسألة

إذا انتقل فيروس نقص المناعة (الإيدز) إلى شخص سليم عن طريق المريض أو الأطباء بسبب نقل الدم أو الصور العلاجية الأخرى…فإن السؤال يرد هنا في حكم نقل هذا المرض بجميع صوره ووصفه الفقهي والآثار المترتبة عليه؟
والإيدز: مرض يصيب الرجال والنساء والأطفال، وينجم عن فيروس يصيب الجهاز المناعي في جسم الإنسان، فيقضي عليه، ويجعله عرضة للأمراض القاتلة، وينتقل عدواه إلى السليم بجملة من الوسائل، ومن أبرزها:
1. نقل الدم من الشخص المصاب بالفيروس إلى الشخص السليم مما يؤدي إلى تلويث دمه بالفيروس، ويمثل هذا الطريق إحدى الوسائل الرئيسية لانتقال العدوى بنسب كبيرة في بدايات ظهور المرض.
2. الاتصال الجنسي بين المصاب والشخص السليم عن طريق السائل المنوي للجنسين.
3. استخدام الحقن والآلات الطبية الملوثة بفيروس الإيدز، فتنتقل العدوى منها إلى الشخص السليم الذي استخدمت فيه، وقد سجلت حالات كثيرة للعدوى بهذا الطريق.
4. الحمل والولادة والرضاعة من الأم المصابة بالفيروس: فينتقل إلى ابنها خلال فترة الحمل عن طريق الدورة الدموية في المشيمة، وابتلاع دمها عند الولادة، والرضاع منها.
وأما آثاره فيمكن إيجازها في مرحلتين:
الأولى: مرحلة دخول الفيروس إلى الجسم، وهذه المرحلة تختلف أعراضها من شخص لآخر، فقد تظهر عند بعضهم في وقت مبكر، وتمتد عند آخرين إلى خمس عشر سنة يكونون فيها حاملين للفيروس ومصدرا للعدوى مع تمتعهم في الظاهر بسمات الصحة والسلامة.
الثانية: مرحلة ظهور الأعراض، وتبدأ بانهيار جهاز المناعة لدى المصاب مما يجعله عرضة لكافة الأمراض دون أن يكون هناك ما يتصدى لها، وتتمثل أعراض هذه المرحلة في الإصابات الرئوية، وحدوث تضخم في الغدد اللمفاوية، وتأثر الجهاز العصبي المركزي، وحدوث إصابات معوية، والتهابات الجهاز الهضمي.. مما يؤدي إلى سرعة فقدان الوزن والوهن الشديد.

حكم المسألة

هذه المسألة لها حالتان:

الأولى: أن تنتقل العدوى إلى السليم على سبيل الخطأ دون أن يعلم المريض أنه مصاب بالفيروس أو أن ينقله الطبيب إلى غيره عن طريق نقل الدم ونحوه دون أن يكون عالما بالحال، فينتفي الإثم لانتفاء موجب التكليف، وهو العلم، ويجب عليه الضمان والكفارة؛ لما يلي:

  1. قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ۚ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ) [النساء:92].

وجه الدلالة: أن المريض قد تسبب في نقل العدوى إلى الشخص السليم على سبيل الخطأ، وفيروس الإيدز قاتل لا محالة، ومن ثم يكون القتل واقعا من غير قصد؛ فيوجب الضمان والكفارة بنص الآية.

  1. وقوله: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ) [البقرة:286].

وفي الحديث القدسي: (قد فعلت) [أخرجه مسلم برقم: (200) 1/116].

  1. وقوله – عليه الصلاة والسلام – : (إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) [رواه ابن ماجه برقم: (2043) 1/659، وابن حبان برقم: (7219) 16/202، وصححه الألباني].

وجه الدلالة: أن حكم الخطأ – وهو الإثم – مرفوع، وانتقال العدوى إلى غيره حاصل من غير قصد فيكون خطأ يرتفع به الإثم، أما الضمان والكفارة فهو من باب خطاب الوضع، وربط الأحكام بأسبابها؛ وذلك مما لا يؤثر فيه الخطأ والنسيان.

 

الحالة الثانية: أن يتعمد نقل العدوى إلى غيره، وهذه الحالة لها صورتان:

الأولى: أن يقصد بنقل العدوى شخصا معينا، فإن القتل – في حال حدوثه – يكيّف على أنه قتل عمد عند جمهور المعاصرين؛ لتحقق قصد الجناية – وهو العمدية في القتل – بما يقتل غالبا بناء على أن هذا الفيروس قاتلٌ لم يعرف له علاج حتى الآن.

ويرى بعضهم: أنه لا يعد عمدا موجبا للقود، وإنما يوجب العقوبة التعزيرية بما يراه الحاكم والديةَ للأولياء بعد موت المجني عليه تخريجا له على القتل بالسم عند من يرى أنه يوجب التعزير.

ويرى بعض الباحثين أن المصاب بالفيروس إن قصد أحد الزوجين تعمد نقل العدوى إلى الآخر كان هذا الفعل من قبيل الغيلة، وإن كان ذلك من غيرهما كان القتل عمدا.

ويعلِّل ذلك: أن نقل الفيروس لأحد الزوجين إلى الآخر – مع العلم بكونه مصابا بالفيروس، وخصوصية العلاقة بين الزوجين – قتلٌ على وجه الاستدراج والخديعة، فكان ذلك من قبيل قتل الغيلة.

 

الثانية: أن يقصد بنقل العدوى نشر المرض لينال طيفا واسعا من الناس، فإن هذا الفعل يعد ضربا من الحرابة؛ لكونه من صور الإفساد في الأرض، وهذا ما صدر به قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي، والندوة الفقهية الطبية السابعة للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية.

ولكن نشر العدوى عن طريق الزنا أو اللواط – إذا توافرت شروط ثبوتهما – يضيف سببا آخر لاستحقاق العقوبة الحدية غير القصاص أو الحرابة على تقدير بقاء محل العقوبة.

ملاحق المسألة: قرارات ذات صلة بالموضوع.

أولا: قرار مجمع الفقه الدولي بشأن مرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز) والأحكام الفقهية المتعلقة به

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين.

قرار رقم: (90) (7/9)[1[

بشأن مرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز) والأحكام الفقهية المتعلقة به.

إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنعقد في دورة مؤتمره التاسع بأبو ظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة من 1 – 6 ذي القعدة 1415هـ، الموافق 1 – 6 نيسان (إبريل) 1995م،

بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع مرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز) والأحكام المتعلقة به، والقرار رقم 82(13/8)، وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله، قرر في بنده الثاني ما يلي:

ثانياً: تعمَد نقل العدوى تعمد نقل العدوى بمرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز) إلى السليم منه بأية صورة من صور التعمد عمل محرم، ويعد من كبائر الذنوب والآثام، كما أنه يستوجب العقوبة الدنيوية وتتفاوت هذه العقوبة بقدر جسامة الفعل وأثره على الأفراد وتأثيره على المجتمع.

فإن كان قصد المتعمد إشاعة هذا المرض الخبيث في المجتمع، فعمله هذا يعد نوعاً من الحرابة والإفساد في الأرض، ويستوجب إحدى العقوبات المنصوص عليها في آية “الحرابة”: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [المائدة:33].

وإن كان قصده من تعمُّد نقل العدوى إعداء شخص بعينه، وتمت العدوى، ولم يمت المنقول إليه بعد، عوقب المتعمد بالعقوبة التعزيرية المناسبة وعند حدوث الوفاة ينظر في تطبيق عقوبة القتل عليه.

وأما إذا كان قصده من تعمد نقل العدوى إعداء شخص بعينه ولكن لم تنتقل إليه العدوى فإنه يعاقب عقوبة تعزيرية.

 

ثانيا: قرار مجمع الفقه الإسلامي بالهند.

قرار رقم: 35 (3/8).

بشأن مرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز) وورد في البند التاسع منه:

تاسعاً: يحرم على المصاب بمرض الإيدز نقل مرضه إلى الشخص الآخر عمداً، فإن ذلك معصية كبيرة، ويستوجب فاعل ذلك عقوبة حسب جسامة تضرر الآخر أو المجتمع بذلك.

المراجع

1. أثر مرض الإيدز في الأحكام الفقهية، د. راشد بن مفرح الشهري، دكتوراه بقسم الفقه المقارن، المعهد العالي للقضاء، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، عام: 1425 ه الموافق: 2004 م.
2. أحكام الأمراض المعدية في الفقه الإسلامي، د. عبد الإله السيف، ماجستير بقسم الفقه، كلية الشريعة، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، عام: 1425 ه الموافق: 2005 م.
3. جريمة نقل مرض نقص المناعة المكتسب إعداد: إيدز إبراهيم الهويمل، ماجستير بجامعة نايف، المستودع الرقمي للجامعة.
(https://www.base-search.net)
4. مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد الثامن، والتاسع (المكتبة الشاملة).
5. مجمع الفقه الإسلامي الدولي: (www.iifa-aifi.org) قرار رقم: (90).
6. مجمع الفقه بالهند (www.ifa-india.org) قرار رقم: (35).
7. المغني لأبي عبدالله أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي (ت 620هـ).
8. الإنصاف لأبي الحسن علي بن سليمان المرداوي (ت 885 هـ).
9. بدائع الصنائع لعلاء الدين أبوبكر بن مسعود الكاساني (ت587هـ).
10. حاشية الدسوقي على الشرح الكبير لمحمد بن أحمد الدسوقي (ت 1230 هـ)
11. زاد المعاد لمحمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية (ت 751 هـ).
12. المبسوط لمحمد بن أحمد السرخسي (ت 483 هـ).
13. نهاية المحتاج لشهاب الدين محمد بن أبي العباس الرملي (ت 1004هـ).

مسائل ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى