قسم الجنايات والقضاء والعلاقات الدوليةباب الحدود

تهريب المخدرات

مسألة رقم 295

العناوين المرادفة

1. ترويج المخدرات.
2. عقوبة ترويج المخدرات.
3. عقوبة تهريب المخدرات.

صورة المسألة

يقوم بعض الناس ممن لا يراعون القيم والأخلاق، ويسعون وراء الدوافع المادية دون اعتبار المآلات على المجتمعات بتهريب المخدرات عبر النوافذ الحدودية. فإذا تمكن رجال الأمن من ضبطهم يرد السؤال في الوصف الشرعي لهذه الجريمة؟

حكم المسألة

أولا: لا خلاف بين المعاصرين في تحريم المخدرات؛ وذلك للأدلة الآتية:

  1. قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ) ]المائدة:90/91[.

وجه الدلالة: أن المخدرات تغطي العقول، وكثير منها أعظم ضررا على العقل من الخمر المجردة، ومن ثم فهي تدخل في مفهوم الخمر ضرورة أن الخمر ما خامر العقل.

  1. وحديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن مسكر ومفتر) ]أخرجه أبو داود برقم:(3686) 3/239، وضعفه الألباني].

وجه الدلالة: أن النهي عن المفتر – وهو المخدر – يحمل على التحريم بدلالة اقترانه بالخمر بواسطة العطف؛ فيكون حكمه كحكم الخمر الثابت بالنص والإجماع كما يقرره الأصوليون.

  1. وأجمع العلماء على تحريم تعاطي المخدرات كما نقله القرافي في كتابه الفروق([1]).

 

ثانيا: لا خلاف بين المعاصرين في تحريم تهريب المخدرات؛ وذلك للأدلة الآتية:

  1. قوله تعالى : (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ) ]الأعراف:56 [.

وجه الدلالة: أن تهريب المخدرات باعتباره يغطي العقول، ويلحق بها ضررا محققا، ويدمر الأخلاق والقيم … يعد من صور الإفساد في الأرض؛ فيدخل في عموم النهي.

  1. قوله تعالى: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ۛ وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) ]البقرة:195[.
  2. وقوله تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ) ]النساء:29[.

وجه الدلالة من الآيتين: أن فيهما تحريم الإضرار بالنفس بما يفضي بها إلى المهالك، وفي تهريب المخدرات لترويجها بين الناس وما ينتج عنه من آثار هلاك ظاهر.

  1. قوله تعالى : (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ) ]المائدة:2[.

وجه الدلالة: أنّ الله – تبارك وتعالى – نهى عن التعاون على الإثم والعدوان، وتهريب المخدرات من أعظم العدوان؛ فيدخل في عموم النهي الوارد في الآية الكريمة.

  1. حديث ابن عمر – رضي الله عنهما – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – (لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه) ]أخرجه أبو داود برقم: ( 3674) 327، وصححه الألباني [.

وجه الدلالة: أن تهريب المخدرات يمثل وسيلة أساسية لإدخالها إلى البلاد، ثم ترويجها وتسويقها لاحقا بين الناس؛ فيدخل بهذا الاعتبار في جملة الوسائل المفضية لترويج المسكرات.

  1. ولأن حماية العقول من المقاصد الضرورية التي راعاها الشارع في الأحكام، وتهريب المخدرات يفضي إلى تفويتها على سبيل القطع فيكون محرما قاطعا سدا للذرائع.

 

ثالثا: اختلفوا في الوصف الشرعي لهذه الجريمة على اتجاهين:

الاتجاه الأول: أن تهريب المخدرات يعد نوعا من الحرابة، وهذا قول بعص المعاصرين، وذهب إليه الدكتور عبدالشكور شاهين.

واستدلوا على ذلك بآية الحرابة، وهي قوله تعالى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) ]المائدة: 33[.

وجه الدلالة: أن تهريب المخدرات نظرا إلى ما يترتب عليه من ضرر محقق على العقول والأموال والأعراض… من جملة صور الإفساد في الأرض، ونوع من محاربة الله ورسوله؛ فكانت عقوبته الحرابة.

واعترض عليه من وجهين:

الأول: أن الحرابة مبنية على المجاهرة والمغالبة، بخلاف تهريب المخدرات، فإنه قائم على الاستخفاء.

الثاني: أن الحرابة تقترن بترويع الآمنين، والاعتداء على النفوس، وسلب الأموال خلافا لتهريب المخدرات.

فظهر بالوجهين اختلاف ماهية الجريمتين، ومن ثم لا يجوز اعتبار ترويج المخدرات من جنس الحرابة لاختلافهما في المفهوم.

 

الاتجاه الثاني: أن تهريب المخدرات من الجرائم الموجبة للعقوبة التعزيرية بما يراه الإمام مناسبا لعظم الجريمة وآثارها، ومحققا لمصلحة الزجر، وبهذا صدر قرار هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية، وأفتى به دار الإفتاء المصرية، ودار الإفتاء الليبية.

وعللوا ذلك: أن تهريب المخدرات لم ترد بشأنه عقوبة مقدرة من الشارع؛ فيكون المرد في تقديرها إلى الحاكم الشرعي بما يراه مناسبا للجريمة رادعا لمن تسول له نفسه من قربانها.

ملحق المسألة: قرار هيئة كبار العلماء بشأن تهريب المخدرات.

“الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، وبعد :

فإن مجلس هيئة كبار العلماء في دورته التاسعة والعشرين المنعقدة بمدينة الرياض بتاريخ: 9/ 6/ 1407هـ وحتى: 20/ 6/ 1407 هـ وقد اطلع على برقية خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز – حفظه الله – ذات الرقم: (س8033)، وتاريخ: 11/6/1407هـ والتي جاء فيها (نظراً لما للمخدرات من آثار سيئة، وحيث لاحظنا كثرة انتشارها في الآونة الأخيرة، ولأن المصلحة العامة تقتضي إيجاد عقوبة رادعة لمن يقوم بنشرها وإشاعتها، سواء عن طريق التهريب أو الترويج، نرغب إليكم عرض الموضوع على مجلس هيئة كبار العلماء بصفة عاجلة وموافاتنا بما يتقرر) .

وقد درس المجلس الموضوع وناقشه من جميع جوانبه في أكثر من جلسة، وبعد المناقشة والتداول في الرأي واستعراض نتائج انتشار هذا الوباء الخبيث القتال تهريباً واتجاراً وترويجاً واستعمالاً، المتمثلة في الآثار السيئة على نفوس متعاطيها، وحملها إياهم على ارتكاب جرائم الفتك، وحوادث السيارات، والجري وراء أوهام تؤدي إلى ذلك، وما تسببه من إيجاد طبقة من المجرمين شأنهم العدوان وطبيعتهم الشراسة وانتهاك الحرمات، وتجاوز الأنظمة وإشاعة الفوضى لما تؤدي إليه بمتعاطيها من حالة من المرح والتهيج، واعتقاد أنه قادر على كل شيء، فضلاً عن اتجاهه إلى اختراع أفكار وهمية تحمله على ارتكاب الجريمة، كما أن لها آثاراً ضارة بالصحة العامة، وقد تؤدي إلى الخلل في العقل والجنون، نسأل الله العافية والسلامة، لهذا كله، فإن المجلس يقرر بالإجماع ما يلي :

أولاً: بالنسبة للمهرب للمخدرات فإن عقوبته القتل، لما يسببه تهريب المخدرات وإدخالها البلاد من فساد عظيم لا يقتصر على المهرب نفسه، وأضرار جسيمة وأخطار بليغة على الأمة بمجموعها. ويلحق بالمهرب الشخص الذي يستورد أو يتلقى المخدرات من الخارج فيموّن بها المروجين

ثانياً: أما بالنسبة لمروج المخدرات فإن ما أصدره المجلس بشأنه في قراره رقم: (85) وتاريخ 11/ 11 /1401هـ كافٍ في الموضوع ونصه كما يلي : ( الثاني : من يروجها سواء كان ذلك بطريق التصنيع أو الاستيراد بيعا وشراء أو إهداء ونحو ذلك من ضروب إشاعتها ونشرها، فإن كان ذلك للمرة الأولى فيعزر تعزيراً بليغاً بالحبس أو الجلد أو الغرامة المالية أو بهما جميعا حسبما يقتضيه النظر القضائي، وإن تكرر منه ذلك فيعزز بما يقطع شره عن المجتمع ولو كان ذلك بالقتل، لأنه بفعله هذا يعتبر من المفسدين في الأرض، وممن تأصل الإجرام في نفوسهم، وقد قرر المحققون من أهل العلم أن القتل ضَرْبٌ [أي : نوع] من التَعزير.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى : “ومن لم يندفع فساده في الأرض إلا بالقتل قُتِل، مثل قتل المفرق لجماعة المسلمين الداعي للبدع في الدين” . إلى أن قال “وأمر النبي -ﷺ- بقتل رجل تعمد الكذب عليه، وسأله ابن الديلمي عن من لم ينته عن شرب الخمر فقال: من لم ينته عنها فاقتلوه” . وفي موضع آخر قال رحمه الله في تعليل القتل تعزيراً ما نصه : ” وهذا لأن المفسد كالصائل، وإذا لم يندفع الصائل إلا بالقتل قتل” انتهى .

ثالثاً: يرى المجلس أنه لابد قبل إيقاع أي من تلك العقوبات المشار إليها في فقرتي (أولاً) و (ثانياً) من هذا القرار استكمال الإجراءات الثبوتية اللازمة من جهة المحاكم الشرعية وهيئات التمييز ومجلس القضاء الأعلى، براءةً للذمة، واحتياطاً للأنفس .

رابعاً: لابد من إعلان هذه العقوبات عن طريق وسائل الإعلان قبل تنفيذها إعذاراً وإنذاراً . هذا وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .


([1]) 1/216.

المراجع

1. دار الإفتاء الليبية (www.ifta.ly)، فتوى رقم: (3438).
2. دار الإفتاء المصرية، (www.dar-alifta.org)، فتوى رقم: (3453).
3. دائرة الإفتاء العام الأردنية، (www.aliftaa.jo)، مقال: حكم الإسلام في المخدرات لسماحة المفتي.
4. الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء (www.alifta.net)، قرار هيئة كبار العلماء رقم: (138).
5. الفروق لشهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي المالكي(ت 684هـ).
6. المخدرات وأحكامها في الشريعة الإسلامية، للأستاذ الدكتور محمد النجيمي، الطبعة الأولى لمركز البحوث والدراسات بجامعة نايف العربية للعلوم الأمنية سنة: 1425 هـ.
7. موقع سؤال وجواب، فتوى رقم: (129484).
8. نوازل الجرائم المالية- دراسة فقهية، لأحمد بن محمد المهيزع، رسالة مقدمة لنيل درجة الدكتوراه في قسم الفقه، كلية الشريعة، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

مسائل ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى