قسم الجنايات والقضاء والعلاقات الدوليةباب مسائل القضاء

تقارير خبراء الأدلة الجنائية وعلاقتها بإثبات الجناية

مسألة رقم 254

العناوين المرادفة

1. إثبات الجناية بتقارير خبراء الأدلة الجنائية.
2. كشف الجريمة بتقارير خبراء الأدلة الجنائية.
3. الاستعانة بتقرير خبراء الأدلة في إثبات الجناية.

صورة المسألة

الخبير: هو من يتمتع بالعلم والقدرة في فهم الأمور وتفسيرها بما يتوافق مع الحقيقة.
وعند أهل القانون: هو من تتوافر فيه الكفاءة الفنية في العلوم التطبيقية بحيث يمكن الاستعانة به في تحقيق القضايا التي يتوقف الفصل فيها على الجوانب الفنية التي ليس في وسع القاضي إدراكها.
والدليل الجنائي: هو البرهان القائم على المنطق والعقل في إطار من الشرعية الإجرائية لإثبات صحة افتراض أو رفع درجة اليقين الإقناعي أو حفظها في واقعة هي محل خلاف.
وبناء على تعيين المفاهيم السابقة فإن عمل خبير الأدلة الجنائية يقوم على بحث القرائن من مسرح الجريمة أو مادتها وتحقيقها باستعمال الوسائل العلمية الحديثة من أجل الوصول إلى دليل لإثبات الجريمة أو نفيها.
وخبراء الأدلة الجنائية يصدرون تقارير كثيرة بشأن الجرائم، ومن جملها:
1. تقارير تختص بفحوص العوامل الوراثية في قضايا إثبات البنوة أو القرابة؛ وذلك بأخذ عينة من المادة الوراثية من الطرفين لتحليلها في المعامل، وينتج عن ذلك إثبات القرابة في حال المطابقة.
2. تقارير الطب الشرعي التي تستند إلى فحص الجثة وملامحها والآثار الملتقطة في مسرح الجريمة لإثبات ما إذا كان سبب الوفاة انتحاريا أو جنائيا بالكشف عن الجناة.
3. تقارير فحص مواد الكتابة من الورق والمداد والأقلام المستخدمة ومداد الأختام؛ ويتم فحص ذلك كله في المعامل الفنية في القضايا المتعلقة بإثبات عمليات التزوير.
وإذا كانت تقارير الأدلة الجنائية – كما تقدم – تستند إلى دراسة حيثيات الواقعة بالوسائل الحديثة بما يؤدي إلى إثبات أركانها، ويسهم في توجيه التحقيقات نحو تأكيد الإدانة أو براءة المتهمين، يرد السؤال في مدى جواز الاستعانة بها في إثبات الجناية؟

حكم المسألة

هذه المسألة يتوقف حكمها على أمرين:

الأول: الاستعانة بالخبير في إثبات الأحكام.

الثاني: حجية القرائن في إثبات الجناية.

أما الاستعانة بأهل الخبرة فلا خلاف بين الفقهاء – رحمهم الله تعالى- في مشروعيته من حيث الجملة فيما يُعرض أمام الحاكم من قضايا النزاع التي يتوقف الحكم فيها على قول أهل الخبرة، ومما ذكروه في هذا المجال:

  1. القافة: جمع قائف: وهو الذي يعرف بفراسته ونظره إلى أعضاء المولود ليتحقق بذلك مدى ثبوت قرابته لشخص ما أو انتفائه، أما في هذا العصر فقد أمكن الاستعانة بخبراء الفحوص الوراثية لإثبات القرابة في قضايا البنوة.

وقد ذكر الفقهاء مشروعية الاستعانة به في إثبات صلة القرابة في حال اشتباه النسب.

  1. قصاصو الأثر: وهم الذين تميزوا بتتبع سير خطى الأقدام، ونسبتها إلى أهلها مهما تعددت، وتداخلت بعد الخبرة الطويلة التي تستند إلى الفراسة وقوة الملاحظة.

وقد ذكر الفقهاء جواز الاستعانة بهم في تتبع آثار الجناة لغرض الوصول إلى هوياتهم.

وسند ذلك دلالة الكتاب، والسنة، وإجماع الصحابة – رضوان الله عليهم – والمعقول على جواز الاستعانة بأهل الخبرة في المسائل الشرعية التي يتوقف حكمها على كلام أهل الخبرة، وبيان ذلك فيما يلي:

  1. قال تعالى: ( فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا ) الفرقان: 59[.
  2. قال تعالى : ( وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ) [فاطر: 14[.

وجه الدلالة : أن الآيتين تدلان على مشروعية الرجوع إلى أهل الخبرة، وأن الأمور التي تتوقف على الخبرة والتجربة يجب على القاضي مراجعة أهل الخبرة العارفين ليكشفوا له حقائقها.

  1. عن عائشة – رضي الله عنها – أنها قالت: إن رسول الله -ﷺ-، دخل علي مسرورا، تبرق أسارير وجهه، فقال: (ألم تري أن مجززا نظر آنفا إلى زيد بن حارثة، وأسامة بن زيد، فقال: إن بعض هذه الأقدام لمن بعض) [أخرجه البخاري يرقم : (3555) 4/189، ومسلم برقم: (1459) 2/1081].

وجه الدلالة : أن سرور النبي- ﷺ- بخبرة القائف مجزز المدلجي بإلحاق أسامة بن زيد بأبيه يدل على ثبوت العمل بخبرة القيافة، وصحة قولهم في إلحاق الولد بأبيه.

  1. أجمع العلماء على مشروعية الاستعانة بأهل الخبرة في قضايا النزاع التي يتوقف حكم القاضي فيها على كلام أهل الخبرة.
  2. أن القاضي لا يستطيع أن يكون عالماً بالأمور الفنية الخارجة عن اختصاصه كالطب والهندسة وسائر العلوم؛ فلزم من ذلك الاستعانة بأهل الخبرة ضرورة وجوب فصل النزاع، وحرصا على التزام العدل في القضاء.

أما حجية القرائن فقد اختلفوا في ذلك على اتجاهين:

الاتجاه الأول: أن القرائن حجة شرعية؛ فيجوز العمل بها، وهو مذهب الجمهور كما صرح به كثير من فقهاء المذاهب الأربعة: ابن الغرس وابن نجيم من الحنفية، وابن العربي وابن فرحون من المالكية، والعز بن عبدالسلام من الشافعية، وابن تيمية وابن القيم من الحنابلة، وأخذت به محاكم المملكة العربية السعودية في إثبات أو نفي الجرائم التعزيرية، وعليه العمل من حيث الجملة في كثير من البلاد الإسلامية.

الاتجاه الثاني: أن القرائن ليست حجة شرعية، فلا يجوز العمل بها، ونسبه بعض الباحثين إلى شهاب الدين القرافي من المالكية، وشهاب الدين الرملي من الشافعية.

استدل أصحاب الاتجاه الأول (القائلون بحجية القرائن) بجملة من الأدلة، أبرزها:

  1. قوله تعالى: (وَجَاءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ۚ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ) [يوسف: 18[.

وجه الدلالة: أن إخوة يوسف – عليه السلام – لما جاؤوا بدم كذب يستدلون به على أن الذئب أكله ردّ عليهم أبوهم أنهم قد دبروا في حقه أمرا؛ لاستحالة أن يأكله الذئب دون أن يمزق قميصه، وفي هذا استدلال بالقرائن في إثبات الجناية.

  1. وقوله: (قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي ۚ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (26) وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) [يوسف: 26-27[.

وجه الدلالة: أن الله – تبارك وتعالى – أقر قول الشاهد في الاستدلال بقدّ القميص من الدبر على كذب امرأة العزيز، وفي هذا استدلال على نفي الزنا في حال الاشتباه اعتمادا على القرائن.

  1. أن الله – تبارك وتعالى – مدح الفراسة وأهلها في مواضع من كتابه، منها:
  • قوله: (إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ) [الحجر: 75[.
  • وقوله: (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ ) [محمد: 30[.

 

  • وقوله: (تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا) ]البقرة: 273[.
  1. أن النبي – ﷺ – قضى بالقسامة استنادا إلى قرينة اللوث، كما ثبت ذلك في الحديث الذي رواه سهل بن حثمة. [ أخرجه البخاري برقم: (4193) 10/251، ومسلم برقم: (1459) 2/1081].

وجه الدلالة: أنه – ﷺ – قضى باللوث في الدماء، وفي هذا عمل بالقرائن.

  1. عمل الصحابة – رضي الله تعالى عنهم – بالقرائن في الحدود وغيرها، فمن ذلك:
  • أن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – أمر برجم المرأة التي حملت ولا زوج لها، ولا سيد.
  • أن عمر بن الخطاب وابن مسعود – رضي الله عنهما – حكما بحدّ من وجد فيه رائحة الخمر أو تقيأها استنادا إلى القرينة الدالة على لوازم الجريمة وآثارها.

استدل أصحاب الاتجاه الثاني (القائلون بعدم حجية القرائن) بجملة من الأدلة، أبرزها:

  1. قوله – عليه الصلاة والسلام – : (لو كنت راجما أحداً بغير بينة لرجمت فلانة، فقد ظهر منها الريبة في منطقها وهيئتها ومن يدخل عليها) [أخرجه ابن ماجه برقم: (2559) 2/855، وصححه الألباني، وأوله في صيحيح مسلم برقم: (1497) 2/1124].

وجه الدلالة: لو جاز العمل بالقرائن لأقام النبي – ﷺ – الحد على هذه المرأة نظرا إلى تحقق الأمارات الدالة على وقوع الزنا منها، ولكنه لم يقمه عليها لعدم اعتبار القرائن في الحجية.

  1. عن ابن عباس أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي -ﷺ- بشريك ابن سحماء فقال النبي -ﷺ- : (البينة أو حد في ظهرك) فقال يا رسول الله: إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة، فجعل النبي -ﷺ– يقول: (البينة وإلا حد في ظهرك) فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، فلينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد. فنزل جبريل وأنزل عليه: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ) [النور:6] فقرأِ حتى بلغ إنه لمن الصادقين، فانصرف النبي -r-، فأرسل إليها فجاء هلال فشهد والنبي-ﷺ -يقول: (إن الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب) ثم قامت فشهدت فلما كانت عند الخامسة وقفوها وقالوا: إنها موجبة قال ابن عباس فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت فقال النبي-ﷺ-: (أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين سابغ الأليتين خدلج الساقين فهو لشريك ابن سحماء) فجاءت به كذلك فقال النبي -ﷺ- : (لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن) [أخرجه البخاري برقم: (3836) 11/509].

وجه الدلالة: أن هذه الواقعة احتف بها قرائن دالة على وقوع الزنا منها، من: تلكئها عند الخامسة، ووجود شبه بالمتهم…؛ لكن لم يعمل بها النبي -ﷺ- في إثبات الزنا بناء على عدم اعتبار القرائن في إثبات الجرائم.

  1. أن القرائن تفيد الظن، والظن لا يصلح دليلا في إثبات الجرائم التي توجب العقوبات نظرا إلى أنه قد ورد ذمه في آيات كثيرة، ومنها على سبيل المثال:
  • قوله تعالى: (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ۚ إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ) ] يونس: 36[.
  • وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ) ]الحجرات: 12[.
  • وقول النبي -ﷺ- : (إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث) [أخرجه البخاري برقم: (5143) 13/54، ومسلم برقم: (2563) 4/1985].
  1. حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رجلا أتى النبي –ﷺ– فقال : يا رسول الله ولد لي غلام أسود، فقال: (هل لك من إبل؟) قال: نعم، قال: (ما ألوانها)، قال: حمر، فقال: (هل فيها من أورق؟) قال: نعم، قال: (فأنى ذلك) قال: لعله نزعه عرق، قال: (فلعل ابنك هذا نزعه عرق) [أخرجه البخاري برقم: (6847) 17/221، و مسلم برقم: (1500) 2/1137].

وجه الدلالة: أن النبي -ﷺ– لم يحكم على المرأة بالزنا أو يقِم الحد عليها اعتبارا بقرينة انتفاء الشبه؛ فدل ذلك على سقوط حجية القرائن في إثبات الجرائم.

  1. أن الشارع علّق ثبوت كثير من الجرائم المتعلقة بإتلاف النفوس والأموال والأعراض بالإقرار أو الشهود، وفي العمل بالقرائن خروج عن توقيف الشارع؛ وذلك لا يجوز.
المراجع

1. الإثبات بالخبرة بين القضاء الإسلامي والقانون الدولي وتطبيقاتها المعاصرة- دراسة مقارنة، إعداد: عبدالناصر بن محمد شنور.
2. الاعتداء الإلكتروني- دراسةً فقهيةً- د. عبد العزيز بن إبراهيم الشبل.
3. تقارير خبراء الأدلة الجنائية وعلاقتها بإثبات الجريمة، محمد بن أحمد أبو حميد، ماجستير بقسم العلوم الشرطية، تخصص تحقيق وبحث جنائي، جامعة نايف، عام: 1424 ه الموافق: 2003 م.

مسائل ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى