قسم العباداتباب الجهاد

تفجير المجاهد نفسه بغية قتل العدو

مسألة رقم 200

صورة المسألة

العمليات الفدائية متيقنة الهلاك من مسائل النوازل، لاعتمادها على أنواع حديثة من السلاح؛ مع تحكم يدوي أو آلي في التنفيذ؛ ولا ينجو المنفذ من التفجير في العادة، ولهذا كانت متيقنة الهلاك.

حكم المسألة

اختلف فقهاء العصر في حكم هذه المسألة على اتجاهين:

الاتجاه الأول: مشروعية العمليات الفدائية متيقنة الهلاك؛ بشرط أن يترجح من تنفيذ هذا العمل تحقيق منفعة شرعية ومصلحة مرعية، من نحو النكاية بالعدو والنيل منه نيلا ظاهرا، وأن يكون تقدير أثر هذا النوع من العمليات منوطا بأهل العلم الشرعي والرأي العسكري.

وهذا قول بعض فقهاء العصر، ومنهم: جبهة علماء الأزهر، وعبدالله بن حميد، ومحمد ناصر الدين الألباني، وغيرهم.

واستدلوا بما يلي:

الدليل الأول: قوله تعالى: (مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الْأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) . [التوبة: 120].

وجه الاستدلال: قوله تعالى: (نَّيْلًا) نكرة في سياق النفي فتعم أفراد النيل، والعمليات الفدائية التي يتيقن فيها هلاك المنفذ هي أحد أفراد النيل، فدلت الآية بهذا على مشروعية هذه العمليات.

 

الدليل الثاني: قوله تعالى : (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ) [الأنفال: 60].

وجه الاستدلال: أن العمليات الفدائية من الإرهاب المشروع لأعداء الله، ومن القوة التي يستطاع إعدادها ؛ ومن ثم كانت داخلة في دلالة الآية على المشروعية.

 

الدليل الثالث: ما ورد في قصة الغلام المؤمن مع أصحاب الأخدود؛ ففيها: (أن الملك حاول قتل الغلام عدة مرات ولم يتمكن؛ فقال الغلام للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به؛ قال: ما هو؟ قال: اجمع الناس في صعيد واحد، ثم خذ سهما من كنانتي؛ ثم قل: بسم الله رب الغلام؛ ثم ارمني؛ فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني؛ فجمع الناس في صعيد واحد وفعل ما أمره به الغلام؛ فمات، فقال الناس: آمنا برب الغلام)، [مسلم (3005)].

وجه الاستدلال: أن الغلام تسبب في قتل نفسه ليكون عاقبة ذلك خيرا إذ آمنت أمة بأكملها، وفيه دليل على أنه إذا رجي نفع كبير؛ فللإنسان أن يفدي بنفسه لمصلحة عامة المسلمين.

 

الدليل الرابع: إلحاق العمليات الفدائية متيقنة الهلاك بمسألة الانغماس في العدو انغماسا لا ترجى معه النجاة؛ إذا غلب على الظن إلحاق النكاية بالعدو أو جلب نفع للمسلمين.

 

الاتجاه الثاني: عدم مشروعية العمليات الفدائية متيقنة الهلاك، وهو قول بعض علماء العصر؛ أشهرهم: عبدالعزيز بن باز وعبد العزيز آل الشيخ وصالح الفوزان. واستدلوا:

الدليل الأول: قوله تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ) [النساء: 29].

وجه الاستدلال: فيه دلالة على حرمة قتل الإنسان نفسه، ويدخل في ذلك من يقوم بالعمليات الفدائية متيقنة الهلاك.

 

الدليل الثاني: قول النبي ﷺ: (من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم) [البخاري (5778) ومسلم (109)].

وجه الاستدلال: دل الحديث على تحريم قتل النفس، وأنه من كبائر الذنوب ويدخل في ذلك من يفجر نفسه ولو كان تفجيره بقصد الإضرار بالعدو لعموم الحديث.

المراجع

1. أحكام الشهيد في الفقه الإسلامي، عبدالرحمن العمري ص(216).
2. الأعمال الفدائية، سامي الحمود ص(189).
3. العمليات الاستشهادية في الميزان الفقهي، نواف تكروري ص(82).
4. فقه المتغيرات في علائق الدولة الإسلامية بغير المسلمين، سعد مطر العتيبي (2/872).

مسائل ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى