قسم الجنايات والقضاء والعلاقات الدوليةباب الجنايات

تضمين البرامج التجريبية ما يُعطلها بنهاية مدة التجربة

مسألة رقم 36

صورة المسألة

يشتكي منتجو البرامج والكتب الإلكترونية من ضياع حقوقهم، فكثير من مستخدمي البرامج والكتب الإلكترونية لا يهتم هل نسخة هذا البرنامج أو الكتاب أصلية أم لا، وبهذا يضيع كثير من حقوق تلك الشركات؛ لاكتفاء الناس بالنسخ التقليدية والزهد في الحرص على النسخ الأصلية.
وما زالت شركات البرامج والكتب الإلكترونية تبحث عن حلول لإيقاف هذه الظاهرة، سواء أكانت تلك الحلول نظامية أو فنية، وبعض تلك الحلول قد تصطدم بحقوق أخرى، أو بعقبات نظامية.
ومن تلك الحلول المقترحة تضمين الكتب والبرامج الإلكترونية التجريبية أمرًا برمجيًا يفعّل إذا انتهت مدة تجربة البرامج ولم يقم مستخدم البرنامج بشراء نسخة أصلية أو لم يقم بحذف البرنامج من جهازه، بحيث يقوم هذا الأمر البرمجي بحذف البرنامج أو تعطيله، وقد يمتد ذلك إلى ملفات أو بيانات أخرى، فما حكم استخدام هذه الطريقة؟

حكم المسألة

هذه الطريقة لا تخلو من صورتين:

الصورة الأولى: أن يضمّن البرنامج أو الكتاب أمرًا برمجيًا يفعّل آليًا عند انتهاء مدة التجربة، وهذا الأمر يمسح البرنامج أو يعطله، ولكنه لا يؤثر على باقي البيانات والبرامج الموجودة في الجهاز، ومثل ذلك لو كان لا يؤثر عليها مباشرة وإنما يضعف أداء الجهاز حتى يتم حذف البرنامج.

وحكم هذه الصورة: أنه لا بأس ﺑاستخدام هذه الطريقة؛ لأن منتج البرنامج لم يعتدِ على مستخدم البرنامج، وإنما أبطل عمل البرنامج الذي هو من حقه، ومستخدم البرنامج لا حق له في البرنامج؛ لأنه لم يدفع قيمته.

 

الصورة الثانية: أن يضمّن البرنامج أمرًا برمجيًا يفعّل آليًا بعد انتهاء مدة التجربة، ولكن هذا الأمر البرمجي يمتد ضرره إلى البيانات والبرامج الأخرى، أو قد يمسح أو يخرب أو يعطل بعض البيانات أو البرامج الأخرى.

ومن ذلك لو كانت تلك البرامج برامج تتعامل مع البيانات بحيث يتم إدخال البيانات فيها، ليتم معالجتها، أو تخزينها، فإذا انتهت مدة البرنامج قام بمسح كل البيانات المعالجة أو المخزنة في البرنامج.

حكم هذه الصورة: هذه الطريقة غير جائزة، وهي من التعسف في استعمال الحق، ومن التعدي على الآخرين، فقد تعدّى المنتج في استيفاء الحقوق التي له إلى ما ليس حقًا له.

ويدل لذلك قوله تعالى: (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ۚ فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ) [البقرة: 194].

وقال تعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ ۖ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ) [النحل: 126].

وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) [المائدة: 87].

وقال عز من قائل: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40) وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَٰئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ (41)إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۚ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) [الشورى 40-42].

فالله سبحانه وتعالى حرّم الاعتداء، ورخّص في مجازاة المعتدي بمثل ما اعتدى به، لا بأكثر منه، فإن زاد الشخص المعتدى عليه، واعتدى بأكثر مما اعْتُدي عليه به أصبح ظالماً بعد أن كان مظلومًا، ولهذا فالمشروع المجازاة بالمثل لا بأكثر من المثل.

وفي الحديث: «لا ضرر ولا ضرار». [رواه ابن ماجه (2363)، وأحمد (2865)، ومالك (6/40)].

ومن الأقوال في تفسير هذا الحديث: أن الشخص لا يجوز له أن يضرّ أخاه ابتداء ولا جزاء، فلا يجوز له أن يضرّ به ابتداء من غير أن يضرّه الآخر، ولا يجوز له أن يضرّه على سبيل الجزاء، فيجازيه بأكثر من ضرره.

ومن القواعد الفقهية المقررة شرعًا: أن الضرر لا يزال بالضرر، أو لا يزال بضرر مثله، فلا يزال ضرر أصحاب البرامج والكتب الإلكترونية بواسطة الإضرار بمستخدمي برامجهم استخدامًا غير مشروع، بل لهم أن يحفظوا حقوقهم، ويمنعوا غيرهم من التعدي عليها، ويتلفوا النسخ غير الأصلية لبرامجهم، ولكن ليس لهم أن يتعدوا ذلك إلى الإضرار بالآخرين.

المراجع

• الاعتداء الإلكتروني دراسة فقهية (رسالة دكتوراه ـ الفقه ـ كلية الشريعة)، د. عبد العزيز الشبل (686) فما بعدها.

مسائل ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى