قسم الأسرةباب المواريث

تحديد وقت الوفاة تحت الإنعاش

المسألة رقم 136

العناوين المرادفة

• إرث الميت دماغياً.

صورة المسألة

الموت هو مفارقة الروح للبدن، وقد ذكر الفقهاء – رحمهم الله – عدداً من العلامات التي تدل على خروج الروح بعد توقف القلب والتنفس ومنها: استرخاء القدمين، وانخساف الصدغين، وميل الأنف وغير ذلك.
ومع التطور الطبي اليوم في تقنيات التشخيص والإنعاش، ظهر ما يسمى بالموت الدماغي، حين يموت جذع الدماغ والذي يحوي المراكز الحيوية ويتعطل تعطلاً نهائياً لا رجعة فيه بحكم الأطباء، ولكن تظل العمليات الحيوية مستمرة في العمل بفعل أجهزة الإنعاش فينبض قلبه، ويتنفس ويتبول، وينمو جسمه وتطول أظافره.
وحينئذ هل يعامل الميت دماغياً معاملة الميت شرعاً فتقسم تركته وتعتد امرأته؟
وهل ينتقل من المعيار التقليدي للموت إلى اعتماد المعيار الطبي الجديد وهو معيار موت الدماغ؟ ويكون التحقق من موت المورث دماغياً كاف لانتقال المال لورثته؟

حكم المسألة

أولاً: اتفق الفقهاء على ترتب آثار الموت الشرعية إذا توقف القلب والتنفس تماماً بعد موت الدماغ، وبدأت أمارات مفارقة الروح للجسد تظهر كاسترخاء القدمين وانخساف الصدغين وميل الأنف وغير ذلك، وإن كانوا يؤكدون على ضرورة التحقق من ذلك قبل الجزم به.

 

ثانياً: اختلف الفقهاء المعاصرون في موت جذع الدماغ، هل يعتبر موتاً تنبني عليه آثاره أو لا؟ على اتجاهين:

الاتجاه الأول: يعتبر موت الدماغ موتاً حقيقياً، ولا يشترط توقف القلب عن النبض.

وهذا ما قرره مجمع الفقه الإسلامي، وصدر به أيضاً قرار المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية عام 1417هـ في ندوة: (التعريف الطبي للموت)، وذهب إليه طائفة من العلماء والباحثين.

أدلة الاتجاه الأول: استدل أصحاب هذا القول بأدلة كثيرة أبرزها:

1) أن الحياة تبدأ بنفخ الروح في البدن، وتنتهي بمفارقة الروح للبدن، وعلامة ذلك أن يكون البدن عاجزاً عن خدمة الروح، وتنفيذ أوامرها، وقبول آثارها، وهذا متحقق في الميت دماغياً.

المناقشة: عدم التسليم بانعدام الحركة، فعند رفع المنفسة وأجهزة الإنعاش، يلاحظ على الميت دماغياً أحياناً أنه يرفع عاتقيه وعضديه وساعديه جميعاً ممتدة إلى أعلى، وربما تعرق جسده، وقد ترتفع نبضات قلبه، فلا يمكن أن يوصف من هذا حاله بأنه فاقد للحس والحركة الاختيارية!

الجواب: أن الانقباضات العضلية لا يلزم منها وجود الحياة، لأنها انعكاسات من النخاع الشوكي، فهي وظائف غير إرادية.

 

2) القياس على المولود، فالمولود إذا لم يصرخ لا يعتبر حياً، ولو تنفس أو بال أو تحرك، فالفعل الذي لا يكون إرادياً واستجابة لتنظيم الدماغ لا يعد أمارة على الحياة، وهذا واقع فيمن مات دماغه، فيأخذ حكم المولود الذي لم يصرخ.

المناقشة: نوقش من وجهين:

أ- أن القياس على مسألة مختلف فيها.

ب- أن القياس قياس مع الفارق، فالمولود مشكوك في حياته، بخلاف المريض، فالأصل حياة المريض، ولا ينتقل عن هذا الأصل إلا بيقين.

 

3) أن حقيقة مفارقة الروح للبدن ليس فيها نص، فيرجع إلى أهل الذكر والاختصاص وهم الأطباء، وهم يحكمون بموت الميت دماغياً، فيجب الرجوع إلى قولهم.

المناقشة: أن الأطباء وإن اتفقوا على موته، إلا أنهم إذا سئلوا عن خروج روحه؟ قالوا: لا ندري، وإذا سئل هل مثله يورث وتعتد زوجته؟ قالوا: لا نعلم! والإنسان إما حي أو ميت، وليس هناك إلا موت واحد، وجوابهم يفيد عدم الجزم بالموت، والأصل بقاء ما كان على ما كان، فيحكم بحياته حتى يتيقن من موته.

 

4) أن الفقهاء حكموا بموت الشخص بالجناية عليه إذا نفذت إلى مقاتله، ولم يوجبوا القصاص على من جنى عليه في تلك الحالة مع وجود الحركة الاضطرارية، وإنما أوجبوا على الجاني الأول؛ لأنه صار بجنايته في حكم الأموات، أما إذا صيره الأول إلى حالة لا يفقد معها الإحساس والحركة الإرادية فإن الجاني الثاني هو القاتل المستحق للقصاص.

المناقشة: أن الفقهاء بينوا حكم الاشتراك في القتل العمد العدوان، وأوجبوا العقوبة على الثاني –دون القصاص – في الحالة الأولى، والعقاب لا يكون إلا على جريمة، فدل على اعتبار حياته.

 

الاتجاه الثاني: أن موت دماغ الإنسان دون قلبه لا يعد موتاً شرعياً تنبني عليه أحكامه حتى يتوقف القلب عن النبض. وهذا ما قرره المجمع الفقهي الإسلامي، ودار الإفتاء المصرية، ولجنة الفتوى بوزارة الأوقاف الكويتية، وهو قول جمع من أهل العلم والباحثين.

وصدرت توصية ندوة [الحياة الإنسانية، بدايتها ونهايتها في المفهوم الإسلامي] بأن الميت دماغياً قد استدبر الحياة، وأصبح صالحاً لأن تجرى عليه بعض أحكام الموت وتوقف عنه أجهزة الإنعاش، وأما بقية أحكام الموت فيؤجل تطبيقها حتى تتوقف الأجهزة الرئيسية ويخمد قلبه.

أدلة الاتجاه الثاني:

1) قول الله – تعالى –: ( فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (١١) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَىٰ لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (١٢) ) [الكهف].

وجه الدلالة: في الآية أن فقد الإحساس والشعور لا يعتبر دليلاً كافياً للحكم بموت الإنسان.

المناقشة: أن الاستدلال خارج محل النزاع، فأصحاب الكهف ناموا نوماً طبيعياً مع سلامة أدمغتهم، بخلاف الميت دماغياً.

 

2) أن الموت لا يجزم به لمجرد توقف نبضات القلب، فكذلك لا يجزم به لمجرد موت جذع الدماغ، فالحياة يقين، والموت شك، واليقين لا يزول بالشك.

المناقشة: عدم التسليم بأن موت الدماغ مجرد شك، بل هو علامة تورث غلبة الظن.

 

3) أن حقيقة الموت هي مفارقة الروح البدن، وحقيقة المفارقة: خلوص الأعضاء كلها عن الروح، بحيث لا يبقى جهاز من أجهزة البدن فيه صفة حياتية، والميت دماغياً ينبض قلبه ويتنفس، ولا يتعفن، وترى فيه الحرارة والدفء، وتنمو أظافره وشعره إلى غير ذلك من الأمارات التي تدل على بقاء تعلق الروح بالبدن.

المناقشة:

أ- أن العلامات الحيوية الباقية في جسد الميت دماغياً هي بتأثير أجهزة الإنعاش.

ب- أن الميت وفق العلامات التي يذكرها الفقهاء تستمر الحياة في خلاياه بعد توقف القلب مدداً متفاوتة رغم الحكم بموته، فلا يسلم اشتراط زوال الحياة في الخلايا والأنسجة للحكم بالموت.

ج- أن ما بقي من آثار الحياة في جسده تشبه حال جسد المذبوح.

 

4) أن الميت دماغياً يتوقف قلبه وتنفسه بعد حين رغم بقاء أجهزة الإنعاش، مما يعني أن انتفاعه بأجهزة الإنعاش إنما كان لوجود بقايا الحياة في جسده.

 

الملاحق:

أولاً : مجمع الفقه الإسلامي:

قرر مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في دورته الثالثة عام 1986م ما نصه:

“يعتبر شرعاً أن الشخص قد مات، وتترتب عليه جميع الأحكام المقررة شرعاً للوفاة عند ذلك، إذا تبينت فيه إحدى العلامتين التاليتين:

أولاً: إذا توقف قلبه وتنفسه توقفاً تاماً، وحكم الأطباء بأن هذا التوقف لا رجعة فيه.

ثانياً: إذا تعطلت جميع وظائف دماغه تعطلاً نهائياً، وحكم الأطباء الاختصاصيون الخبراء بأن هذا التعطل لا رجعة فيه، وأخذ دماغه في التحلل”.

ثانياً : المجمع الفقهي الإسلامي :

وهذا ما قرره المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي في دورته العاشرة 1408هـ، وجاء فيه:

“المريض الذي ركبت على جسمه أجهزة الإنعاش يجوز رفعها إذا تعطلت جميع وظائف دماغه نهائياً، وقررت لجنة من ثلاثة أطباء اختصاصيين خبراء أن التعطل لا رجعة فيه وإن كان القلب والتنفس لا يزالان يعملان آلياً بفعل الأجهزة المركبة، لكن لا يحكم بموته شرعاً إلا إذا توقف التنفس والقلب توقفاً تاماً بعد رفع هذه الأجهزة”.

 

المراجع

– الأحكام الشرعية والطبية للمتوفى في الفقه الإسلامي، د. بلحاج العربي بن أحمد، مجلة البحوث الفقهية المعاصرة، العدد 42، السنة 11، ص8 – 160.
– قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في اجتماعه المنعقد في عمان – الأردن بشأن أجهزة الإنعاش، قرار رقم (5) د3/7/86 (مجلة مجمع الفقه الإسلامي، ع3، ج2، ص809).
– قرار المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي في دورته العاشرة المنعقدة في مكة المكرمة 1408هـ، قرارات المجمع الفقهي للرابطة ص49.
– فقه النوازل، بحث (أجهزة الإنعاش وحقيقة الوفاة بين الفقهاء والأطباء) الشيخ بكر أبو زيد، مؤسسة الرسالة 1/232، بيروت، الطبعة 1، 1416هـ.
– أحكام الجراحة الطبية والآثار المترتبة عليها، للشيخ محمد المختار الشنقيطي، مكتبة الصحابة، الطبعة الثانية، 1415هـ، ص325.
– بحوث مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، العدد الثالث، الجزء الثاني، عام 1408هـ.
– البحوث المقدمة إلى المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية في ندوتها الثالثة [الحياة الإنسانية بدايتها ونهايتها في المفهوم الإسلامي] الكويت عام 1985م. وقد نشرت هذه البحوث في مجلة مجمع الفقه الإسلامي العدد الثالث، الجزء الثاني.
– تشخيص الوفاة في أقسام العناية الطبية المركزة، إعداد وزارة الصحة بالمملكة العربية السعودية، نشرتها مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد الثالث، ص739.
– أثر التقنية الحديثة في الخلاف الفقهي، د. هشام آل الشيخ، رسالة دكتوراه، مكتبة الرشد، ط1، 1427هـ/2006م، ص327 – 360.
– الموسوعة الطبية الفقهية، د. أحمد محمد كنعان، دار النفائس، بيروت، ط1، 1420هـ.
– موت القلب وموت الدماغ، الموت تعريفه وعلامات وتشخيصه، د. محمد علي البار، موقع الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة. www.eajaz.org
– موت الدماغ، د. سعد الشويرخ، مجلة الجمعية الفقهية السعودية، العدد 11، عام 1432 – 1433هـ/2011م، من ص241 – 326 units.imamu.edu.sa .
– رؤية إسلامية لبعض المشكلات الطبية المعاصرة، ثبت كامل الأعمال الندوة الطبية (التعريف الطبي للموت) المنعقدة في الكويت 7/9/1417هـ.
– الفتاوى الإسلامية، تصدر عن المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بوزارة الأوقاف المصرية، الطبعة الثانية، 1418هـ، 10/3712.
– أحكام نقل الأعضاء في الفقه الإسلامي، د. يوسف الأحمد، دار كنوز أشبيليا بالرياض، الطبعة الأولى، 1427هـ، 1/312.
– موت الدماغ، د. عبدالله بن محمد الطريقي، الطبعة الأولى، 1426هـ، ص49.
– أبحاث فقهية في قضايا طبية معاصرة، د. محمد نعيم ياسين، دار النفائس بالأردن، ط1، 1416هـ، ص37 وما بعدها.
– موت الدماغ بين الطب والإسلام، ندى الدقر، دار الفكر، دمشق، الطبعة الأولى، 1418هـ.
– موقع الإسلام سؤال وجواب islamqa.info
– موقع إسلام أون لاين (230086)، فتوى طبية، د. محمد البار. www.islamonline.net

مسائل ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى