قسم الجنايات والقضاء والعلاقات الدوليةباب الجنايات

المسؤولية الجنائية المترتبة على التخلص من النفايات الطبية

مسألة رقم 114

صورة المسألة

كيف يتم ضمان الأثر الذي يترتب على التخلص من النفايات الطبية بطرق غير صحيحة؟.

حكم المسألة

الحديث هنا عما ينتج عن الأنشطة الطبية من نفايات خطيرة لها أثرها المدمر على النظام البيئي، فمن الواجب على الأشخاص الحقيقيين والمعنويين الحرص على ألا يترتب على أعمالهم التطويرية وأنشطتهم الإنتاجية في المجال الطبي والصناعي (صناعة الأدوية والعقاقير) الإضرار بالبيئة باتباع البرامج المعدة للتخلص منها، وإلا فهم مسؤولون عن جريمة تلويث البيئة بالنفايات الخطرة.

والمسؤولية في هذا النوع من الجرائم قسمان:

القسم الأول: مسؤولية الفرد والجماعة في حفظ البيئة، وتتمثل مسؤولية الفرد في عدم تلويث البيئة بالنفايات الطبية التي تصدر عنه خارج المنشأة الصحية من الأدوية والعقاقير الطبية والمضادات الحيوية والحقن، وغيرها.

وألا يقوم بتصريفها مع مكبات النفايات العامة.

كما تتمثل في مسؤولية الجماعة في قيام المؤسسات والمنشآت الصحية، ومصانع الأدوية، والصيدليات بقطاعيها العام والخاص بتصريف نفاياتها وفق الأنظمة المقررة من قبل وزارة الصحة والجهات المسؤولة عن حفظ البيئة.

وعلى الأفراد والمؤسسات التواصي بما يخدم استمرار الحياة في بيئة نقية وصالحة من منطلق التعاون على البر والتقوى، ووجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتواصي بالخير، والحث على أعمال البر في الشريعة الإسلامية.

وحفظ البيئة من الفساد الحسي والمعنوي يصب في صلب الأمر بالمعروف، والنهي عن إفسادها يقع في مفهوم النهي عن المنكر، بالإضافة إلى أن حفظ مقومات البيئة من التلوث مطلب على الجميع تحقيقه باعتبار حق الجميع في الاستفادة من تلك المقومات، وعدم مشروعية الاستئثار بشيء منها؛ مما قد يترتب عليه العبث، أو التلويث، أو الاستنزاف.

 

القسم الثاني: مسؤولية ولي الأمر أو الحاكم، أو من يقوم مقامه من الجهات الرقابية، وهذه المسؤولية تنطلق من قوله صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته». [رواه البخاري (2751)، مسلم (1829)].

 

ومسؤولية الإمام تتمثل في:

أ ـ تهيئة السبل لتوعية المجتمع بأخطار النفايات الطبية.

ب ـ السعي في تقديم البرامج المفيدة للمنشآت المسؤولة عن تفويت البيئة في كيفية التخلص من النفايات الخطرة، والقيام بمتابعتها في عملية التنفيذ.

ج ـ معاقبة المخالف، وإلحاق أقصى العقوبات الرادعة به؛ نظراً لشدة الضرر المتوقع من هذه الجريمة وعمومه.

ومسؤولية الراعي قائمة في هذه المسألة على اعتبار أن من واجباته المحافظة على التوازن البيئي وعدم السماح لأحد بالعبث بالموارد الطبيعية، وحفظ حق الأجيال في استغلالها، واعتبار أن الحياة من الحقوق العامة، فإذا أخل بها شخص ما صار مجرماً يجب كف شره عن الناس، وإلا سرى ضرره إلى الباقين.

ومما يدل على وجوب كف أهل الشر: قوله صلى الله عليه وسلم: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، وكانوا إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً، ولم تؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا جميعاً». [رواه البخاري (2493)].

وهذا الحديث يوضح مبدأ مهما في الشريعة الإسلامية، وهو أن حرية الفرد مرهونة بما يلحق الآخرين من ممارستها، فمتى ما لحق الآخرين ضرر فعلى الإمام منع الفرد من مزاولة ما يريده، وهو أصل في منع تجاوزات الأفراد على المصالح العامة، وحفظ حق المجتمع في السلامة من الضرر، وانعكاسات ذلك في مجال البيئة كثيرة، ومنها: أن المؤسسات الصحية وما في معناها مما يخدم القطاع الصحي ممنوعة من التخلص من نفاياتها الطبية بصورة تلحق الضرر بالبيئة، وهذا التوجيه النبوي يشرع أخلاقيات سامية في التعامل مع الطبيعة ومواردها وفي الحفاظ عليها، ومنع أنانية الأفراد والمؤسسات من تملكها والعبث بها.

 

وجرائم تلويث البيئة بالنفايات الخطرة، طبية كانت أو غيرها، جرائم لها خصوصيتها بحيث لا يمكن إخضاعها للأوضاع العادية، ولايمكن إدراجها ضمن الجرائم التقليدية لأسباب:

السبب الأول: من المتقرر أن الجرائم لا بد أن يكون لها ركنان مادي ومعنوي، والمادي يشتمل على النشاط الإجرامي والضرر الحاصل والرابطة السببية، وهذا الأمر مشكل في جرائم تلويث البيئة؛ إذ إن هذا النوع من الجرائم يفتقد أحد العناصر المهمة في الركن المادي، وهو ترتب الضرر أو ما يعبر عنه نظاما بالنتيجة الإجرامية؛ إذ من الممكن ألا تترتب أي نتيجة فورية للفعل، وقد يستغرق ظهور هذه النتيجة وقتاً طويلاً؛ مما يستدعي اعتبار الفعل جريمة بمجرد القيام به دون وجود أي نتيجة مباشرة.

السبب الثاني: أن النشاط الإجرامي قد يكون مصرحا به في أنظمة بعض الدول نتيجة لتدني مستوى الوعي أو الاقتصاد فيها، أو لغير ذلك، وربما صدر النشاط (التلويث بالنفايات الخطرة) من الدولة نفسها من خلال مؤسساتها الصحية أو الصناعية أو غيرهما.

السبب الثالث: أن حماية البيئة من التلويث وإن كان لضمان الحق العام، وتحقيق المصلحة العامة، فمن الممكن أن يكون المعتدى عليه فيها حقاً خاصاً، وهذا كله يفضي إلى اشتباك الأمور واختلاطها في جريمة تلويث البيئة.

السبب الرابع: اضطراب الركن المعنوي للجريمة؛ إذ من الصعوبة في هذا النوع من الجرائم التمييز بين كون الجريمة عمداً أو خطأ، فوجود النفايات الطبية الملوثة بالفيروسات القاتلة كالجدري مثلاً في مكبات النفايات العادية، مما قد يترتب عليه انتقالها إلى كل من تمتد إليها يده من الأطفال ونحوهم، مما يجعل القضاء متحيراً في قصد ملقي النفايات؛ إذ تعمده الإضرار محتمل، كما أن جهله وخطأه الصادر عن الإهمال وعدم التحرز وارد أيضاً، وهذا الاحتمال يعتبر شبهة تدفع العقوبة المقدرة عن المجرم، وإن ترتب على فعله القتل والجرح، وكما هو معلوم أن الشبهات تدرأ الحدود.

 

وبناء على ما سبق ذكره، فالعقوبات التي يمكن أن يفرضها ولي الأمر على الساعين في تلويث البيئة وإفسادها بالنفايات الخطرة وإلم تحدث ضرراً مباشراً عقوبات تعزيرية، فقط تتدرج من التوبيخ إلى السجن والغرامات المالية إلى القتل؛ وذلك لكون هذا النوع من الجرائم لا عقوبة فيه مقدرة شرعاً.

كما يمكن تطبيق حد الحرابة في الجرائم الجسيمة منها؛ على اعتبار أن التعرض لأمن الأفراد في أنفسهم وذرياتهم وإخافتهم بقطع الطريق عليهم، واستنزاف أموالهم هو صورة مباشرة ومحدودة الأثر من صور التعرض للأمن البيئي العامة والبعيدة المدى.

كما أن عدم تطبيق العقوبة المقررة على من قتل أو جرح نفساً بالتسبب في إلقاء النفايات الخطيرة لا يعني عدم تعزيره من الحاكم، بل يعزر لإهماله، وعدم عنايته بحفظ مخلفاته، مع مسؤوليته عن التعويض عن الضرر المباشر الناتج عن فعله في هذه المسألة.

ويمكن تخريج عدم القود في مسألة التسبب في أذى الغير بما يلقيه الإنسان من سم في طعام نفسه، حيث نص كثير من فقهاء الشافعية والحنابلة على عدم الضمان مطلقاً على من وضع في طعام نفسه سماً، فدخل آخر، فأكل منه فمات، قالوا: لأنه لم يقتله، وإنما الآكل قتل نفسه، أشبه ما لو حفر بئراً في بيته فدخل فيها غيره بغير إذنه فوقع فيها، مع كونهم يوجبون القود فيمن يقتل غيره بتقديم الطعام المسموم له عمداً.

وأما الحنفية والمالكية فلم ينصوا على هذه المسألة، ولكنهم لا يرون وجوب القود، بل التعزير والتأديب على من دس سماً في طعام قدمه لغيره، فأكل فمات من ذلك السم، لأنه أكله باختياره، فحصل الموت بفعله لا بفعل غيره، فالقول بعدم تضمين داسِّ السم في طعام نفسه هو الأولى والأحرى بمذهبهم.

ووجه إلحاق مسألة عدم الضمان بوضع السموم في نفايات الإنسان بوضعها في طعام الإنسان نفسه: أن كلاً من طعام الإنسان والنفايات الناتجة عنه من الأمور الخاصة التي لا حق لأحد في التطفل عليها في الجملة، أو التطاول عليها دون حفظ لخصوصيات الغير ورعاية لحرمته.

ولكن القول في مسألة النفايات الطبية قد يختلف شيئاً يسيراً عنه في مسألة الطعام الخاص في أن المقرر نظاماً في البلاد حظر كب المنتجات الطبية الخطرة من قبل الأفراد والمؤسسات في المكبات العامة؛ حيث يجب الضمان حينئذ، والتعزير لحصول الضرر للغير بسبب مخالفة أنظمة البلاد.

المراجع

• التخلص من النفايات الطبية د. أمل الدباسي- نشر مركز التميز البحثي بحامعة الإمام.
• البيئة في الفقه الإسلامي وقاية وتنمية، خليل الميس (بحث مقدم لمجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي ص 21).
• الإسلام والبيئة، الزيادي (بحث مقدم لمجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي ص 16).
• البيئة والحفاظ عليها من منظور إسلامي، د. محمد النجيمي (بحث مقدم لمجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي ص 15).
• جريمة تلويث البيئة، للملكاوي (70).

مسائل ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى