قسم الجنايات والقضاء والعلاقات الدوليةباب الجنايات

الختان الفرعوني للإناث

مسألة رقم 56

صورة المسألة

الختان الفرعوني هو عملية جراحية تختص بالإناث، يتم فيه إزالة البظر، والشفرين الصغيرين، ومعظم الشفرين الكبيرين، وهذا النوع يشوه الفرج تشويهاً كاملاً([1]).

فما التوصيف الفقهي لهذا الفعل؟

([1]) الموسوعة الطبية الفقهية، د. أحمد محمد كنعان ، ص382.

حكم المسألة

توصف جريمة الختان الفرعوني بصفة عامة بأحد نوعي الجرائم التالية:

النوع الأول: من جرائم الجروح والاعتداء على الأعضاء، والجناية على ما دون النفس؛ لأن الفقهاء ـ رحمهم الله ـ عندما تحدثوا في كتاب الجنايات في باب القصاص عن الجروح والاعتداء على ما دون النفس ذكروا الاعتداء على شفري المرأة، ويمكن أن يعبر عن هذه الجرائم بجرائم المساس بسلامة جسم الإنسان؛ ولأن حق الإنسان في سلامة جسده حق أساس وفطري، وقد حرمت الشريعة الإسلامية أي فعل يمس الجسم البشري.

النوع الثاني: يمكن أن توصف هذه الجريمة أيضاً في الفقه الإسلامي بكونها من جرائم هتك الأعراض، وجريمة هتك العرض هي كل جريمة تخل بحياء المجني عليه إخلالاً جسيماً بفعل يمس عورة فيه، وكونها جريمة لمساسها بشرف المجني عليه وحيائه، وحياته الجنسية، ويستوي في ذلك: أن يكون هتك العرض بالقوة والتهديد، أو دون قوة أو تهديد؛ حيث إن الشريعة لا تعتد بالرضا الصادر من المجني عليه.

وعليه، فيمكن تصنيف ممارسة الختان الفرعوني على الإناث صغيرات السن من جرائم هتك العرض؛ لكونه فعلاً مادياً مخلاً بالحياء؛ لما فيه من مس العورة، والاعتداء على حياء الأنثى وحقها في الاستمتاع الجنسي بلا مسوغ شرعي، ولا يشترط اختلاف جنس الجاني مع المحني عليه، فقد يقع من امرأة على مثلها، أو على رجل من مثله، ولا عبرة برضا الولي في هذه المسألة.

لكن قد يجد الفعل الذي فيه اطلاع على العورات، أو ملامسة لها سنداً للإباحة؛ كالكشف على عورة المريض لعلاجه، فهو حينئذ يستخدم إذناً شرعياً ينفي عنه الضمان؛ ولأن عملية الختان الفرعوني جراحة غير مشروعة، فلا يمكن أن تصنف ضمن الجراحة الطبية المبررة، والتي تمنع مساءلة الطبيب، وعليه فالكشف عن موضع العفة لدى المجني عليها وملامسته يتحقق به الركن المادي أو النشاط الإجرامي في جريمة هتك العرض.

وقد تكون هذه الجريمة وقعت تحت ضغط القوة ولا تهديد؛ كحالتي الإكراه المادي أو المعنوي، أو عدم وجود الرضا الصحيح المعتبر من المجني عليها؛ كما في حالة عدم التمييز أو التدليس عليها، أو في حالة استغراقها في النوم أو تحت تأثير المخدر، وهذا ما يحصل فعلاً في جريمة الختان الفرعوني؛ إذ لا تحتمه مصلحة الفتاة، بل مصلحتها في عدمه، ويستخدم فيها الإكراه المادي أحياناً، أو التدليس عليها وخداعها بأنها لن تتزوج إذا لم تختتن، أو الترغيب كأن تعدها والدتها بإحضار ملابس جديدة يوم الختان، أو تكون غير مميزة أساساً، أو تحت تأثير المخدر، وهذا كله يدعو إلى القول بأن ركن القوة والتهديد بمعناه الواسع متحقق في هذه العملية.

كما أن هذه الجريمة يتوافر فيها القصد الجنائي، ولا عبرة بالبواعث على الإقدام على الجريمة ولا بغرضه منها؛ إذا توافر عنصري القصد الجنائي العلم والإرادة.

وبناء على ما سبق فإن كل من يمارس عملية الختان الفرعوني لأنثى وثبت حصول الأذى والضرر النفسي أو الجسدي لها بسبب هذه العملية الجراحية فهو مسؤول جنائياً لوجود أركان الجريمة، وهي النشاط أو السلوك الإجرامي المتمثل في القيام بهذا النوع الجائر من الجراحة ويعبر عنه بالجرح، ولأن الجرح يشمل كل قطع أو تمزيق بأنسجة الجسم، من غير اعتبار بما إذا كان التمييز سطحياً أو عميقاً، ويستوي أن يكون الجرح كبيراً كالقطع بسكين، أو أن يكون ضئيلاً كالوخر بإبرة.

والنتيجة الضارة المتعلقة فيما يترتب على الجرح من تعطيل أجهزة الجسم تعطيلاً كلياً أو انتقاص قدرة الجسم أو أحد أعضائه عن أداء وظائفها، أو الإعاقة الجزئية الوقتية كحالات المرض والعجز الوقتي عن القيام بالأعمال الشخصية والنتيجة ضرورية لقيام المسؤولية كما أنها تحدد درجة جسامة المسؤولية.

وفيما يتعلق بموضوع الدراسة، وهو الختان الفرعوني يلحظ أن هذه العملية تشكل مساساً بجسم الأنثى، واعتداء على سلامتها الجنسية عن طريق الجرح، ذلك أن هذه العملية عبارة عن تمزيق وقطع لأنسجة الجسم، كما أن هذه العملية يترتب عليها نتيجة إجرامية، وهي حرمان الأنثى من جزء فطري من جهازها التناسلي يدخل في طبيعة خلقتها، كما يؤدي إلى المساس بصحتها الجسمية والنفسية، كما أن رابطة السببية متوافرة بين فعل الختان ووجود الإرادة والاختيار من قبل من يمارس هذه الجراحة، ولا يؤثر على المساءلة الجنائية عن هذا العدوان عدم وجود نية الإضرار؛ ككون الطبيب يقوم بهذا النوع من الختان الممنوع لأغراض شريفة، كالرغبة في تسهيل زواج الأنثى، أو تحقيق مصلحتها، أو حفاظٍ على شرفها من العدوان، أو مسايرة للتقاليد والأعراف، لكون ذلك كله لا يعدو أن يكون باعثاً، والباعث لا عبرة به في اعتبار السلوك جريمة، وإن جاز للقاضي أن يأخذه في الاعتبار عند تقدير العقوبة فيخففها إن كان الباعث نبيلاً ويشددها إن كان خبيثاً؛ إذ العقوبة تعزيرية يرجع في تقديرها إلى نظره واجتهاده.

كما أن رضا الولي بإجراء هذا النوع من الختان لا يعتبر من الأسباب التي تبيح للطبيب ممارسة هذه العملية، أو ترفع عنه مسؤولية عمله؛ لأن ولاية الأب والأم والوصي على الصغير تتحدد في أمواله وفيما له فيه مصلحة فيه، وبالنسبة للصغير نفسه فليس للولي عليه سوى حق التأديب بالضرب غير المبرح والتعليم، ولكن حرمان الأنثى من جزء عضوي فطري خلقه الله في جسدها لا يعد من باب التهذيب النفسي والتأديب، وعليه، فلابد من مساءلة هؤلاء أيضاً؛ لوجود جريمة التحريض أو الاشتراك والمساعدة على الجريمة.

ويعاقب من يرتكب هذه الجناية وفق ما يترتب عليه شرعاً في أحكام الجناية على ما دون النفس.

ونظراً لما تشتمل عليه عملية الختان غير المشروعة من الكثير من الأضرار العاجلة؛ كالنزيف والألم، والالتهابات والصدمة العصبية والأضرار الآجلة، كالأورام والندبات والتهاب الجهاز البولي، واحتقان الحوض وتعسر الولادة، إضافة إلى تعدي أثر هذه الجناية على الزوج؛ حيث يشعر بالإحباط والاكتئاب لعدم التفاعل النفسي والجنسي بينه وبين زوجته، وعدم إقبالها على العلاقة الجنسية؛ كنتيجة للبرود الجنسي، وعدم حصولها على الإشباع الكامل، جراء عملية النهك والاستئصال.

بالإضافة إلى صعوبة الجماع، مما يتطلب أحياناً الاستعانة بالأطباء للقيام بعملية جراحية لتوسيع فتحة المهبل.

وهذا كله قد يستدعي في بعض الحالات تردد بعض المختونات بهذه الصفة للمشافي على العلاج، أو لأخذ الأدوية والعقاقير اللازمة لقطع الألم، أو لتحفيز الرغبة الجنسية.

وتعويض المتضررة عما تستحقه من الدية المقدرة شرعاً على معاناتها الطويلة مع هذه الجراحة والنفقات العلاجية التي بذلتها لدرء آثارها أمر لا يخالف قواعد المسؤولية في الشريعة الإسلامية، ودلت عليه عبارات الفقهاء.

المراجع

• نوازل الجرائم الطبية (رسالة دكتوراه ـ قسم الفقه ـ كلية الشريعة)، د. أمل الدباسي (393) فما بعدها.
• التشويه الجنسي للإناث، د. ناهدة طوبيا (14).
• الموسوعة الطبية الفقهية، د. أحمد كنعان (422).
• جراحات الذكورة والأنوثة في ضوء الطب والفقه الإسلامي، محمد بوشيه (253).
• ضمان الطبيب في الفقه الإسلامي، بحث من إعداد الدكتور/ محمد أحمد سراج، مقدم لمجمع الفقه الإسلامي في دورته الخامسة عشرة، العدد (15) 4/601.
• جرائم الاعتداء على الأشخاص والأموال، د. جميل الصغير (72).

مسائل ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى