قسم الأقليات المسلمةباب الميـراث

التوارث بين المسلم وغيره

مسألة رقم 48

العناوين المرادفة

ميراث المسلم من غير المسلم.
توريث الكافر من المسلم
ميراث المسلم من الكتابي.

صورة المسألة

أن يموت المسلم في بلاد غير إسلامية وله أقارب مسلمون وغير مسلمين، أو يموت الكافر وله أقارب مسلمون، فمن الذي يرثه؟ وكيف يصنع الوارث إذا كان القانون يورثه مع اختلاف الدين؟ وكيف يصنع إذا كان القانون لا يورثه والشرع يورثه؟

حكم المسألة

هذه المسألة لها صور مختلفة الحكم:

الصورة الأولى: أن يموت مسلم وله أقارب غير مسلمين والقانون يورثهم مع المسلمين، فحينئذ ليس أمام المسلم في تلك البلاد إلا الرضوخ أمام الحكم الجائر ويظهر هذا جليا عندما تكون الزوجة غير مسلمة، ويموت زوجها وله أبناء فبحكم القانون هناك للزوجة النصف.

 

قال أمين مجمع فقهاء أمريكا الشمالية ([1]):

ما نصَّ عليه القانون الأمريكي حُكم بغير ما أنزلَ الله لا يحل له ولا لها، وينبغي عليه بل يتعين أن يكتبَ وصية شرعية بقَسم أمواله على وِفاق الشريعة، وهي لها الثمن فقط وليس الثلث بمقتضى قواعد الميراث الشرعية؛ لأن له فرعًا وارثًا، قال تعالى: (وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ ۚ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ۚ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم ۚ مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ۗ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ ۚ فَإِن كَانُوا أَكْثَرَ مِن ذَٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ ۚ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ ۚ وَصِيَّةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ) [النساء: 12]. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

الصورة الثانية: أن يموت غير المسلم وله أقارب مسلمون والقانون يورثهم هل لهم أن يأخذوا ذلك الميراث ؟ أو يقال عنه حرام؟.

والحكم في ذلك أنهم اختلفوا هل يرث المسلم الكافر أم لا على اتجاهين:

الاتجاه الأول : قول الجمهور: حيث قالوا لا يرث مسلم كافرا.

ودليلهم الحديث المتفق عليه المروي عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ “لاَ يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلاَ يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ” متفق عليه رواه البخاري ح 25 كتاب الفرائض ومسلم ح 6383 كتاب القرائض.

جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية: وذهب جمهور الفقهاء أيضاً إلى أن المسلم لا يرث الكافر([2]).

وهذا القول أفتت به اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز في فتاوى كثيرة([3])

والفتوى في دار الإفتاء المصرية على هذا القول([4]).

 

الاتجاه الثاني: أن المسلم يجوز له أن يرث من الكافر، وهو قول معاذ بن جبل رضي الله عنه، ومعاوية بن أبي سفيان، وسعيد بن المسيب، ومسروق بن الأجدع، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.

ودليلهم: قوله ﷺ : “الإِسْلامُ يَعْلُو وَلا يُعْلَى”([5]) رواه الدارقطني ح (395)، والبيهقي (6/205) وحسنه الألباني.

ووجه الدلالة من هذا الحديث: أنَّ من معاني العلو في الحديث أن يرث المسلم الكافر.

“وفسر المانعون الحديث بأن نفس الإسلام هو الذي يعلو، على معنى أنه إن ثبت الإسلام على وجه ولم يثبت على وجه آخر فإنه يثبت ويعلو. أو أن المراد العلو بحسب الحجة أو بحسب القهر والغلبة. أي النصرة في العاقبة للمسلمين”([6]).

وقد أفتى بهذا القول المجلس الأوربي للبحوث والإفتاء جاء في قرار المجلس الأوربي للبحوث والإفتاء([7])

يرى المجلس عدم حرمان المسلمين ميراثهم من أقاربهم غير المسلمين ومما يوصون لهم به. وأنه ليس في ذلك ما يعارض الحديث الصحيح: “لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم”، الذي يتجه حمله على الكافر الحربي، مع التنبيه إلى أنه في أول الإسلام لم يحرم المسلمون من ميراث أقاربهم من غير المسلمين، وهو ما ذهب إليه من الصحابة: معاذ بن جبل، ومعاوية بن أبي سفيان، ومن التابعين جماعة منهم: سعيد بن المسيب، ومحمد بن الحنفية، وأبو جعفر الباقر، ومسروق بن الأجدع، ورجّحه شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم.

وجاء في الخلاصة في فقه الأقليات: لا يصح الإنكار على المجلس الأوربي للإفتاء في فتواه بجواز ميراث المسلم من غير المسلم، مع موافقة ذلك لرأي معاذ بن جبل، ومعاوية بن أبي سفيان، ومحمد بن الحسن، وسعيد بن المسيب، ومسروق، ويحيى بن يعمر، وإسحاق بن راهويه، وابن تيمية، وابن القيم، مع خلاف هذا لما اتفق عليه الأئمة الأربعة.

 

وجاء في فتاوى مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا الشمالية([8]) فتوى تجيز للمسلم أن يرث الكافر، نصها:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. يقول الحديث الشريف: ” المسلم لا يرث غير المسلم، ولا يرث غير المسلم المسلم”. ولكننا نعرف أيضاً أن من بين صحابة رسول الله ﷺ ، أمثال معاذ بن جبل ومعاوية، اللذين سمحا لمسلم أن يرث والديه غير المسلمين. ولهذا نجد بعض العلماء يقولون بالرأي أن غير المسلم المذكور في الحديث هو ذلك الشخص (الحربي) (الذي دخل بالفعل في حرب ضد المسلمين)، لأن تلك كانت هي الحالة لمعظم غير المسلمين عندما قال النبي ﷺ ذلك الحديث. وحسب هذا الرأي، فإنه إذا كان والدا المرء غير (حربيين) فإن الأبناء يجوز لهم أن يرثوهما.

هناك دليل آخر يؤيد هذا الرأي وهو المبدأ الشرعي المشهور: “الإسلام يرفع ولا يخفض”، أي أنه بسبب الإسلام، ينبغي على الأبناء أن يستفيدوا من أخذ هذا المال ولا يحرموا منه أبداً.

وقد أفتى مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف([9]) برأي الفقهاء المجمع عليه في الصورة الأولى ، فرفض حصول المرأة الكتابية على ميراث زوجها المسلم وعدها مسألة محسومة لأنها ـ كما يقول مفتي الجمهورية الأسبق ـ أ.د. نصر فريد واصل ـ من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة، ولا تقبل الاجتهاد أو الجدل لإجماع الفقهاء والعلماء على ذلك”.

وأما الصورة الثانية فنص في فتواه على ما يأتي: خالف بعض الفقهاء في ميراث المسلم من الكافر، فيجعل للمسلم أن يرث قريبه الكافر، دون العكس، لأن “الإسلام يعلو ولا يعلى”، كما جاء في حديث عن النبي ﷺ، واستدلوا أيضاً بأن الإمام عليا رضي الله عنه، وكرم الله وجهه، لما قتل المسور العجلي حين ارتد، جعل ميراثه لورثته المسلمين.

وفي دراسة علمية بعنوان اختلاف الدين وأثره في ميراث المسلم من قريبه الكافر دراسة تأصيلية([10]): اختلاف الدِّين ليس له أثر في إرث المسلم من قريبه الكافر، فالمسلم يرث من قريبه الكافر، وهذا ما اختاره ابن تيمية وابن القيم وقال به المجلس الأوربي للبحوث والإفتاء.

الصورة الثالثة: وصية غير المسلم للمسلم جائزة شرعا:

إذا كان توزيع التركة يتم بناء على وصية المورث فأوصى غير المسلم لمسلم من أقربائه أو غيرهم جاز له أن يأخذ تلك الوصية.

 

الصورة الرابعة : وصية المسلم لغير المسلم :

يرى بعض العلماء أن المسلم يجوز أن يوصي لزوجته أو أمه أو قريبته غير المسلمة بمقدار إرثها لو كانت مسلمة، مستدلاً بقوله تعالى (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) [البقرة 180].

حيث فسرها بعض العلماء بأن المراد الوصية للوالدين غير المسلمين, ويقاس عليهما بقية الأقارب.

لا توارث بين أهل ملتين شتى فلا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم، ولكن يجوز أخذ ما أوصى به في حال الحياة، فيمكنك الحصول على ما طابت به نفسه لك من خلال الوصية وليس من خلال الميراث. والله تعالى أعلى وأعلم.

وقد خلا مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا الشمالية من النص على حكم هذه المسألة، فلم يذكرها في دورته المنعقدة لمناقشة نوازل الأسرة المسلمة بالمجتمع الأمريكي، وكذلك المجلس الأوربي للبحوث والإفتاء.


([1]) انظر موقعه : www.assawy.com.

([2]) الموسوعة الفقهية الكويتية (3/25).

([3]) نذكر منها فتوى برقم 1644 وتاريخ 10/8/1397هـ..

([4]) فقد أفتى فضيلة الشيخ محمد حسنين محمد مخلوف. في شعبان سنة 1372هـ – 12 مايو سنة 1953م، بأن اختلاف الدِّين مانع من الميراث، وقد أفتى فضيلة الشيخ أحمد هريدي بذلك أيضاً في 27 فبراير 1964هـ.

([5]) حسنه الشيخ الألباني في إرواء الغليل (5/106) المكتب الإسلامي – بيروت الطبعة: الثانية – 1405 – 1985م..

([6]) ينظر الموسوعة الفقهية الكويتية (3/25).

([7]) رقم [القرار 1/5]

([8]) انظر موقع المجمع على الإنترنت.

([9]) فتاوى الأزهر موقع دار الإفتاء، وانظر : فتاوى معاصرة ـ الجزء الأول.

([10]) مجلة جامعة الشارقة للعلوم الشرعية والقانونية المجلد 5 العدد 1 صفحة 101.

المراجع

• فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة.
• موقع المجمع الأوروبي.
• مجلة جامعة الشارقةللعلوم الشرعية والقانونية المجلد 5 العدد1.
• الخلاصة في فقه الأقليات.(مصدر سابق)
• موقع مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا الشمالية.(مصدر سابق)

مسائل ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى