قسم الفقه الطّبيباب التلقيح الصناعي

التلقيح الصناعي الخارجي

المسألة رقم 69

صورة المسألة

هو عبارة عنتلقيح البويضة من المرأة خارج جهازها التناسلي، ويتم التلقيح بماء الذكر،فإذا ما تم التلقيح أعيدت البويضات الملقحة إلى رحم المرأة أو إلى رحم امرأة أخرى.
بموجب هذه الطريقة للتلقيح يتم سحب بويضة أو أكثر من رحم الزوجة، وذلك عن طريق تدخل جراحي يسمى (Lapa scobie) بعد استثارتها بواسطة هرمونات منشطة، ثم توضع هذه البويضات في وسط ملائم –وهو الأنبوب- ومُغذٍ في وجود نطفة الرجل،ومن ثم يتم إخصاب البويضة الأنثوية بالنطفة الذكرية، وبعد مرور بعض الوقت وهو تقريبًايومين ونصف يتم نقل البويضة الملقحة إلى رحم المرأة التي كانت قد أعدت خصيصًا لاستقبالها، من خلال معالجة هرمونية، حينئذ يتكون الجنين ويحدث الحمل حتى تتم عملية الولادة.
وهذا النوع من التلقيح تترتب عليه الكثير من المحاذير الشرعية والأضرار الصحية يأتي في مقدمتها:
1- حدوث حالات من انتقال فيروس التهاب الكبد من نوع (B) بواسطة المني المستخدم،وبخاصة في حالة أخذه من متبرعين.
2- استخدام الأجنة الفائضة في مجال الأبحاث، وهو أمر ترفضه المجامع الفقهية.
3- وجود مراكز تجارية لهذه المشاريع، وهو أمر محرم شرعًا.

حكم المسألة

التلقيح الخارجي له خمس صور،ويختلف حكمه باختلاف الصورة التي يتم بها، وبيان ذلك كما يلي:

الصورة الأولى: استدخال نطفة الرجل إلى رحم الزوجة المكونة خارجه في الأنبوب،إما لفساد بوق الرحم، أو لوجود حامض في هذه القناةيهاجم الحيوان المنوي فيقتله، فلا يصل إلى الرحم،وقد اختلف في حكم هذه الصورة على مذهبين:

المذهب الأول: عدم الجواز مطلقا.واستدلوا لمذهبهم بأدلة كثيرة منها:

– تضمنه إتاحة الفرصة أمام الأطباء للتحكم في جنس الجنين، وهذا قد يرتب آثارًا خطيرة على المجتمع بوجه عام.

– انعدام الأمان؛إذ أن الغموض الذي قد يكتنف نتائج هذه التجربة من حيث احتمال الارتفاع في نسبة التشوه في هذه الطريق الاصطناعي عن المعتاد في الحمل بالطريق الطبيعي، أمر يحصل كثيرًا

– إن هذه الوسيلة تؤدي إلى الشك في الأنساب، ومن ثم فقد تكون ذريعة للفساد.

 

المذهب الثاني: الجواز، وذهب إليه بعض الباحثين، وهو رأي المجمع الفقهي الدولي، ويكون نسب المولود تابعًاللزوجين مصدر البذرتين، ويتبع الميراث والحقوق الأخرى ثبوت النسب، وحين يثبت النسب للمولود من الرجل أو المرأة يثبت الإرث وغيره من الأحكام الشرعية، ودليل هذا المذهب هو دليل القول بالجواز في التلقيح الصناعي الداخلي.

 

إلاَّ أن هذا الجواز ليس على إطلاقه بل هو مشروط-عندهم- بتوافر الشروط الآتية:

  • وجود حالة الضرورة، أي وجود مانع يمنع من اتصال المني بالبويضة لأي سبب من الأسباب.
  • انتفاء الضرر على أطراف العملية بما فيهم الطفل الذي سيولد بهذه الطريقة، ويكفي في هذا الأمر غلبة ظن الطبيب المعالج.
  • التحرز من اختلاط الأنساب.
  • أن تجري هذه العملية طبيبة مسلمة، فإن لم توجد فطبيبة غير مسلمة،وإن لم توجد فطبيبمسلم، وإن لم يوجد فطبيب غير مسلم ثقة؛حفاظًا على العورات.
  • مراعاة الحيطة والحذر من تغيير الأنابيب، أو خلط محتوياتها بملحقات أجنبية.

الصورة الثانية: أخذ نطفة الزوج وبويضة الزوجة العقيم وتلقيحها في طبق، ثم إعادة اللقيحة إلى رحم زوجة أخرى للرجل صاحب النطفة متبرعة بالحمل خلال هذه المدة.

 

وقد اختلف في حكم هذه الصورة على مذهبين:

المذهب الأول: الجواز،وهو قول جمع من الفقهاء المعاصرين، إلا أنهم اختلفوا في الأم هل هي صاحبة البويضة أم هي التي حملت؟

فقال بعضهم: الأم هي التي حملت وولدت؛لقوله تعالى (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ) [سورة البقرة من الآية 233]، والوالدة هي التي ولدت، وهي التي ترضع، سواء كان الأمر بالإرضاع ندبًا أو وجوبًا.

وقال البعض الآخر: إن الأم هي صاحبة البويضة، واستندوا في قولهم هذا على أن العلم قد أثبت أن الجنين بعد زرعه في رحم المرأة المستعارة لا يستفيد منها غير الغذاء، وإذا أشبه ما يكون بطفل تغذى من غير أمه.

 

المذهب الثاني: عدم الجواز لما يترتب عليه من مشاكل، أو على الأقل تقدير الاشتباه بعلاقة هذا الطفل بصاحبة البويضة.

الصورة الثالثة: أخذ نطفة الزوج وبويضة من امرأة أجنبية – وهي المتبرعة- ثم زرعها في رحم زوجته، وهذه الحالة يلجأ إليها عندما يكون مبيض الزوجة معطلًا، إلا أن رحمها سليم يقبل العلوق فيه.

الصورة الرابعة: أخذ نطفة من رجل وبويضة من امرأةلا تربطها علاقة زوجية، ثم تزرع في رحم امرأة أخرى متزوجة، ويلجأ إلى هذه الطريقة في حالة عقم المرأة المتزوجة بسبب عطل في المبيض مع سلامة رحمها، وكون زوجها أيضًا عقيمًا.

الصورة الخامسة: أخذ نطفة الزوج وبويضة زوجته وزرعها في رحم امرأة أخرى تكون متطوعة أو مستأجرة، ويلجأ إلى هذه الطريقة في حالة كون الزوجة غير قادرة على الحمل بسبب الرحم ولكن المبيض سليم.

الحكم في هذه الصور الثلاث:

أجمعت المجامع الفقهية وعلماء الأمة الإسلامية على عدم جوازها.

ومن ذلك ما انتهى إليه مجمع الفقه الإسلامي الدوليحيث نص قراره على مايلي:

“إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنعقد في دورة مؤتمره الثالث بعمان عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية من 8-13 صفر 1407،بعد استعراضه البحوث المقدمة في موضوع التلقيح الصناعي (أطفال الأنابيب) والاستماع لشرح الخبراء والأطباء،وبعد التداول الذي تبين منه للمجلس أن طرق التلقيح الصناعي المعروفة في هذا الأيام هي سبعة، قرر مايلي:

أولاً: الطرق الخمس التالية محرمة شرعًا، وممنوعة منعًا باتًا لذاتها أو لما يترتب عليها من اختلاط الأنساب وضياع الأمومة وغير ذلك من المحاذير الشرعية:

الأولى: أن يجرى التلقيح بين نطفة مأخوذة من زوج وبويضة مأخوذة من امرأة ليست زوجته ثم تزرع تلك اللقيحة في رحم زوجته.

الثانية: أن يجرى التلقيح بين نطفة رجل غير الزوج وبويضة الزوجة ثم تزرع تلك اللقيحة في رحم الزوجة.

الثالثة: أن يجرى تلقيح خارجي بين بذرتي زوجين ثم تزرع اللقيحة في رحم امرأة متطوعة بحملها.

الرابعة: أن يجرى تلقيح خارجي بين بذرتي رجل أجنبي وبويضة امرأة أجنبية وتزرع اللقيحة في رحم الزوجة.

الخامسة: أن يجرى تلقيح خارجي بين بذرتي زوجين ثم تزرع اللقيحة في رحم الزوجة الأخرى.

ثانيًا: الطريقتان السادسة والسابعة لا حرج من اللجوء إليهما عند الحاجة، مع التأكيد على ضرورة أخذ كل الاحتياطات اللازمة وهما:

السادسة: أن تؤخذ نطفة من زوج وبويضة من زوجته ويتم التلقيح خارجيًا ثم تزرع اللقيحة في رحم الزوجة.

السابعة: أن تؤخذ بذرة الزوج وتحقن في الموضع المناسب من مهبل زوجته أو رحمها تلقيحًا داخليًا”. انتهى

 

المراجع

1.العلاج بالخلايا الجذعية، رسالة دكتوراه لبدرية الغامدي، كلية الشريعة قسم الفقه
2.أحكام التجارب الطبية، رسالة دكتوراه لعبد الرحمن العثماني، كلية الشريعة قسم الفقه
3.أبحاث فقهية في قضايا طبية معاصرة، د. محمد نعيم ياسين، دار النفائس، بيروت.
4.أطفال الأنابيب، د. عبد الرحمن البسام، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، الدورة الثانية،العدد2، 1407..
5.التلقيح الصناعي بين أقوال الأطباء وآراء الفقهاء،د.أحمد محمد لطفي أحمد،دار الفكر الجامعي، 2006م.
6.توصيات وقرارات (الندوة الفقهية الطبية السادسة)المنعقدة في الكويت في الفترة مابين 23- 26 أكتوبر 1989 م بالتعاون بين المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية ومجمعالفقه الإسلامي.
7.حكم الاستنساخ والتلقيح الصناعي في الفقه الإسلامي، مجلة الدراسات القانونيةكلية الحقوق،جامعة أسيوط عدد21، 18.
8.أحكام التلقيح غير الطبيعي، د. سعد بن عبدالعزيز الشويرخ، ط. كنوز أشبيليا، الرياض.
9.أحكام الجنين في الفقه الإسلامي، عمر محمد غانم، دار ابن حزم، بيروت، ط1، 1421.
10.طرق الإنجاب في الطب الحديث، وحكمها الشرعي، الشيخ بكر أبو زيد (ضمن كتاب فقه النوازل)، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط.1، 1423
11.أطفال الأنابيب، للشيخ رجب التميمي، بحث مقدم لمجلة مجمع الفقه الإسلامي الدولي بجدة، العدد الثاني.

مسائل ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى