قسم الجنايات والقضاء والعلاقات الدوليةباب العقوبات

التعزير بمنع تداول الكتب

مسألة رقم 145

العناوين المرادفة

حظر الكتب تعزيراً.

صورة المسألة

يُمثِّل الكتاب منذ أقدم العصور الصورة المثلى للصراع بين الفكرة ونظيرتها، ولكل عصر صور الرقابة الخاصة به، تلك الصور التي تبدأ بتحريم تناول موضوعات معينة إلى الرقابة الذاتية التي يُمارسها عقل المؤلف وقلبه بحسب مناخ عصره بصورة تلقائية.

ولقد شملت الرقابة في العصور الحديثة التي أعقبت ظهور الطباعة، إنشاء المطابع في حد ذاتها، وكان مقصد الرقابة أولاً هو: الدفاع عن الدين والأخلاق الفاضلة.

فنحن أمام نوعين من الرقابة:

النوع الأول: الرقابة الدينية.

وهي التي يكون القصد منها: المحافظة على القيم الدينية، وأصول العقائد، والأخلاق، والآداب العامة، التي تسود في المجتمع. فتمنع هذه الرقابة نشر الكتب والمؤلفات التي تدعو إلى إفساد دين الناس، وتمس معتقداتهم، أو تنشر الزندقة، والاستخفاف بالقيم الدينية، أو تثير الشهوات، والانحلال الخلقي.

ويشترك في فرض هذه الرقابة صاحب السلطة القضائية كالحاكم أو القاضي، وكذا صاحب السلطة الدينية، وهم أهل العلم والفتوى.

النوع الثاني: الرقابة السياسية:

وهي التي يكون القصد منها: المحافظة على مصالح الدولة، ونُظمها الداخلية والخارجية، فتَمنعُ نشر الكتب التي تضر بذلك.

والذي يملك فرض هذه الرقابة هو صاحب السلطة أو الحاكم.

والمنع من تداول الكتب يشمل أموراً ثلاثة هي:

منع نشر الكتاب، أو الحذف أو التعديل في نص الكتاب، أو مصادرة الكتاب.

فما حكم التعزير بمنع تداول الكتاب؟

حكم المسألة

يجوز للحاكم أو القاضي إذا اجتهد ورأى أن في تداول كتابٍ بعينه ونشره ضرراً ومفسدة على الناس في دينهم ومعتقدهم، أو في أخلاقهم، أن يمنع نشر هذا الكتاب وتداوله في أسواق المسلمين أو توزيعه بينهم، دفعاً لهذه المفسدة، ويتأكد وجوب ذلك عليه إذا تحقق من وقوعها.

وأدلة مشروعية ذلك ما يلي:

الدليل الأول: أن في ذلك المنع تحقيقاً لمقصد من المقاصد الشرعية الضرورية، وهو “حفظ الدين”؛ “لأن جهاد الكفار وقتل المرتدين، وعقوبة أهل البدع، كل هذا راجع لحفظ الدين من جانب العدم، وهو درء الفساد، والاختلال الواقع أو المتوقع عنها “، ولذلك عدّ ابن القيم – رحمه الله – تحريق الكتب المضلة وإتلافها من واجبات الشريعة التي هي حق الله تعالى([1]).

والإمام القرافي – رحمه الله – يشير إلى المقصد من ذلك بقوله: “أرباب البدع والتصانيف المضلة ينبغي أن يُشهر فسادها وعيبها، وأنهم على غير الصواب ليحذرها الناس الضعفاء فلا يقعوا فيها … بشرط ألا يتعدى فيها الصدق “([2]).

 

الدليل الثاني: فعل الصحابة – رضي الله عنهم – لـمّا حرقوا المصاحف المخالفة لمصحف عثمان – رضي الله عنه -، لـمّا خافوا على الأمة من الاختلاف.

 

الدليل الثالث: أنّ هذا المنع من تداول هذه الكتب هو من جنس عقوبة أهل البدع الداعين إليها وتعزيرهم.

وقد قَتل السلفُ الجعد بن درهم، والجهم بن صفوان، وغيلان القدري، وذلك له مأخذان كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله –: ” … والمأخذ الثاني: لما في الدعاء إلى البدعة من إفساد دين الناس.. فقتلهم من باب قتل المفسدين المحاربين لأن المحاربة باللسان كالمحاربة باليد..”([3])، ولهذا تركت روايتهم وشهادتهم والصلاة خلفهم.

وقد تعددت الحوادث التاريخية في حياة المسلمين التي قضى فيها الحكام وأفتى فيها العلماء بتحريم تداول كتبٍ ومنعوها من أيدي الناس، ومن ذلك:

أولاً: جاء في البداية والنهاية في حوادث سنة (279هـ) قوله: “وفيها نودي بألا تباع كتب الكلام، والفلسفة والجدل بين الناس”([4]).


([1]) الطرق الحكمية (234).

([2]) الفروق (4/207).

([3]) الفتاوى الكبرى (5/531).

([4]) البداية والنهاية (11/76).

المراجع

• الأحكام الفقهية المتعلقة بالكتب (رسالة ماجستير ـ كلية الشريعة ـ جامعة الإمام) ياسين مخدوم (374ـ 379).
• نظام المطبوعات والنشر السعودي.
• الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، محمد بن أبي بكر الدمشقي، ابن قيم الجوزية (234).
• الفروق، لمحمد بن إدريس القرافي الصنهاجي (4/207).
• الفتاوى الكبرى، أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية (5/531).
• البداية والنهاية، أبو الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي (11/76).

مسائل ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى