قسم الجنايات والقضاء والعلاقات الدوليةباب الجنايات

التسبب في نقل الأمراض

مسألة رقم 235

العناوين المرادفة

1. التسبب في نقل العدوى.
2. التسبب في نقل العدوى عمدا.
3. التسبب في نقل العدوى خطأ.

صورة المسألة

إذا تسبب مريض مرضا معديا بنقل المرض إلى السليم فما تكييف هذا الفعل وما آثاره؟

حكم المسألة

هذه المسألة لها حالتان:

الأولى: أن يكون تسببه في نقل العدوى واقعا على سبيل الخطأ؛ كأن أخطأ الطبيب فنقل دما ملوثا بمرض معد إلى السليم، أو جامع رجل زوجته جاهلا إصابته بمرض معد ينتقل بالجماع.

والحكم في هذه الحالة أن الخطأ يوجب سقوط الإثم فيما بينه وبين الله عز وجل بالإجماع؛ وذلك لعموم الأدلة الدالة على سقوط المؤاخذة بالخطأ حال حصوله من المكلفين؛ ومنها:

  1. قوله تعالى: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ۚ) [الأحزاب:5].
  2. وقوله:(رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا)[البقرة:286] وفي صحيح مسلم في الحديث القدسي: (قد فعلت) [أخرجه مسلم برقم: (200) 1/116].
  3. وقوله – عليه الصلاة والسلام- : (إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) [رواه ابن ماجه برقم: (2043) 1/659، وابن حبان برقم: (7219) 16/202، وصححه الألباني].

وجه الدلالة: أن هذه النصوص دالة على رفع الإثم عن المكلف حال حصول الخطأ منه؛ وهي عامة في دلالتها؛ فيكون نقل العدوى إلى الغير على سبيل الخطأ غير موجب للإثم.

أما في الدنيا فإن أدى إلى فوات نفس لزمته الدية والكفارة بإجماع العلماء؛ وذلك لقوله تعالى:(وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا)[النساء:92].

وإن أدى إلى فوات عضو أو منفعة أو ضرر لزمه الضمان، ولا عقوبة عليه لانتفاء موجبه.

وذكر بعض الباحثين في حق الطبيب خاصة: أنه إذا كان حاذقا، وراعى أصول المهنة من غير تفريط – كما لو فحص المريض في بداية المرض فبان سليما، ثم نقل دمه إلى الآخر – لا يلزمه الضمان.

يقول ابن القيم-عند بيان أقسام الأطباء من جهة إتلاف أعضاء المريض أو منافعه -: “أحدها: طبيب حاذق أعطى الصنعة حقها ولم تجن يده، فتولد من فعله المأذون فيه من جهة الشارع، ومن جهة من يطبه تلف العضو أو النفس، أو ذهاب صفة، فهذا لا ضمان عليه اتفاقا”([1]).

 

الحالة الثانية: أن يتعمد المصاب بمرض معد نقل العدوى إلى غيره، وهذه الحالة يندرج تحتها ثلاث صور:

الأولى: أن لا يؤدي إلى أي ضرر، ويعاقب الجاني بعقوبة تعزيرية حسب ما يراه القاضي.

الثانية: أن يؤدي إلى ضرر دون النفس؛ فحينئذ يجب الضمان على حسب قدر الضرر وجنسه من إتلاف عضو أو ذهاب منفعة أو أي ضرر آخر، وحكم ذلك إلى تقدير الشرع إن كانت له عقوبة مقدرة، أو اجتهاد القاضي في العقوبة التعزيرية إن لم يكن له تقدير شرعي.

الثالثة: أن يؤدي إلى إتلاف النفس، فهذه الحالة خرّجها المعاصرون على القتل بالسم بناء على اشتراكهما في خفاء وسيلة القتل، وانتقالهما إلى بدن السليم، وإفضائهما إلى موت المجني عليه.

 

وقد اختلفوا في موجب القتل بالسم إذا قصد الجاني قتل المجني عليه – وهو جاهل بالأمر – على اتجاهين:

الاتجاه الأول: أنه يوجب القود بشرطه، وهو قول عند الحنفية، ومذهب المالكية، والحنابلة، والظاهر عند الشافعية.

الثاني: أنه لا يوجب القود؛ وإنما يوجب التعزير وحده عند جمهور الحنفية، ويوجب الدية والكفارة في الأظهر عند الشافعية بناء على أنه شبه عمد.

استدل أصحاب الاتجاه الأول – القائلون بأنه يوجب القود – بجملة من الأدلة، أبرزها:

  1. قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى) [البقرة:178].
  2. قوله:(وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) [البقرة:179].
  3. وقوله:(وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا) [الإسراء:33].

وجه الدلالة: أن هذه الأدلة عامة في أن القتل العمد يوجب القصاص، والقتل بالسم عمدٌ عدوان فدخل في هذا العموم.

ونوقش: أن هذه الأدلة عامة، وثبت في الصحيحين: (أن يهودية أتت النبي -ﷺ- بشاة مسمومة، فأكل منها، فجيء بها فقيل: ألا نقتلها، قال: لا) [أخرجه البخاري برقم: (2617) 3/163، ومسلم برقم: (2190) 4/1721].

  1. قصة الشاة المسمومة لما توفي بشر بن البراء بن معرور بعد أكلها أرسل النبي –ﷺ- إلى اليهودية: (ما حملك على الذي صنعت؟…) وفيه: (فأُمر بها فقتلت) [أخرجه أبو داود برقم: (4511) 4/174، وحسنه الألباني].

وجه الدلالة: أن بشرا مات بسبب السم، فقتلها النبي – ﷺ – قصاصا؛ فدل ذلك على أن القتل بالسم يوجب القود.

ونوقش: أنه على فرض ثبوت الخبر لا يحمل على القصاص، لأنه محض حق الأولياء لا يتم استيفاؤه إلا بمطالبتهم.

  1. أنه سبب يؤدي إلى القتل غالبا، وفاعله عالم به قاصد للجناية فكان موجبا للقصاص كسائر ما يقتل غالبا.

أستدل أصحاب الاتجاه الثاني – القائلون بأنه لا يوجب القود – بأدلة، من أبرزها:

  1. ما رواه الشيخان من حديث أنس – رضي الله عنه – : (أن يهودية أتت النبي – ﷺ – بشاة مسمومة، فأكل منها، فجيء بها فقيل: ألا نقتلها، قال: لا) [أخرجه البخاري برقم: (2617) 3/163، ومسلم برقم: (2190) 4/1721].

ونوقش: أن ما ورد عند أبي داود من قتلها بعد وفاة بشر بن معرور يدل على أن القتل بالسم يوجب القود إذا أدى إلى إتلاف النفس، فيكون أنس ناقلا لصدر الحديث، وبذلك يتم التوفيق بينهما.

  1. ولأن آكل السم أكله باختياره، فأشبه ما لو قدّم له سكينا، فقتل بها نفسه.

ونوقش: أن هذا القياس يرد عليه الفرق؛ لأن السكين معلوم النفع، وصاحبه عالم بنفعه وضرره، بخلاف السم فإنه قاتل خفي، وآكله غير عالم به؛ فافترقا.

وهذه الصورة – أعني أن يؤدي نقل العدوى إلى إتلاف النفس – لا تخلو من أمرين:

أحدهما: أن يقصد الجاني بنقل العدوى في مرض قاتل المجتمع بأسره، وهذا يعد ضربا من الحرابة؛ لأنه حينئذ لا يستهدف معينا، وإنما يريد الفساد في الأرض؛ فكانت عقوبته حدية بحسب الوارد في عقوبة “الحرابة” في الآية الكريمة:(إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ)[المائدة:33] .

وهذا لا خلاف فيه، وبه صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي، والندوة الفقهية الطبية السابعة للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية.

الثاني: أن يقصد الجاني شخصا معينا بنقل العدوى إليه في مرض قاتل، فإن القتل – في هذه الحالة – يكون قتل عمد، وهذا ما صدر به قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي، والندوة الفقهية الطبية السابعة للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية، وقال به كثير من المعاصرين.

وهناك رأي آخر: أن الجاني يعاقب العقوبة التعزيرية قبل تحقق موت المجني عليه، ويثبت للمجني عليه الدية بعد وفاته، وهذا ما تبنته ندوة: “رؤية إسلامية للمشاكل الاجتماعية لمرض الإيدز” وبهذا يظهر تأخر الخلاف في الصورة الأخيرة بمسألة القتل بالسم، والله تعالى أعلم.


([1]) زاد المعاد 4/128.

المراجع

1. أثر مرض الإيدز في الأحكام الفقهية، د. راشد بن مفرح الشهري، دكتوراه بقسم الفقه المقارن، المعهد العالي للقضاء، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، عام: 1425هـ الموافق: 2004 م.
2. أحكام الأمراض المعدية في الفقه الإسلامي، د. عبد الإله السيف، ماجستير بقسم الفقه، كلية الشريعة، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، عام: 1425هـ الموافق: 2005 م.
3. جريمة نقل مرض نقص المناعة المكتسب إيدز إعداد: إبراهيم الهويمل، ماجستير بجامعة نايف، المستودع الرقمي للجامعة.
(https://www.base-search.net)
4. مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد الثامن، والتاسع (المكتبة الشاملة).
5. موقع مجمع الفقه الإسلامي الدولي: (www.iifa-aifi.org) قرار رقم: (90).

مسائل ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى