قسم المعاملات الماليةباب التأمين

التأمين على السيارات

مسألة رقم 71

صورة المسألة

أن يقوم صاحب السيارة, بدفع مبلغ من المال, لشركة التأمين, مقابل تأمين السيارة إما ضد الغير أو تأمينًا شاملا، ويكون ذلك إلزاميا في بعض الدول أو أغلبها.

حكم المسألة

اختلف العلماء المعاصرون في حكم هذه المسألة على اتجاهين:

الاتجاه الأول: التحريم, وإليه ذهب سماحة الشيخ ابن باز و فضيلة الشيخ ابن جبرين رحمهما الله تعالى, لما في التأمين التجاري من محاذير، أولها الغرر.

الاتجاه الثاني: الجواز للضرورة, وإليه ذهبت الهيئة الشرعية ببيت التمويل, و فضيلة الشيخ ابن عثيمين رحمه الله, لقوله تعالى: ( إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ) [الأنعام: 119].

 

القرارات والفتاوى الصادرة عن الهيئات الشرعية الفتاوى العلمية:

1/ فتوى الهيئة الشرعية ببيت التمويل الكويتي.

عرض على الهيئة سؤال عن موضوع التأمين على السيارات ([1]).

فأجابت بما نصه:

إن القول بمنع التأمين مطلقا أو إباحته مطلقا بعيد عن الحق, والذي يطمئن إليه قلبي أن عقد التأمين إذا كان في حدود الضرر الفعلي الواقع على المؤمن, له من غير أن يكون هناك غرر أو تدليس, فإنه يكون جائزا. أما التأمين الذي لا يراعي في تقدير التعويض الضرر الفعلي أو أن يكون هناك غرر فاحش، كالتأمين على الحياة وما في معناه فإنه يكون ممنوعا , لأن مثل هذا التأمين لا يراعي فيه إلا مقدار القسط الذي يدفعه المؤمن، وأيضا فإن الضرر الواقع على المؤمن له أو على ورثته غير منضبط فيكون فيه غرر فاحش بخلاف التأمين الشامل على السيارات فإن تقدير التعويض- كما أعلم- يراعى فيه مقدار الضرر, فالمؤمن له لا يستحق لدى شركة التأمين إلا أقل من قيمة الضرر, أو الحد الأعلى المنصوص عليه في عقد التأمين, وعليه فلا غرر, والله سبحانه وتعالى أعلم.

 

2/ قطاع الإفتاء والبحوث الشرعية بوزارة الأوقاف والشئون الإسلامية.

عرض على اللجنة أيضًاسؤال عن موضوع التأمين على العمال ضد الحوادث والأخطار([2]).

فأجابت بما يلي:

يجوز التأمين على السيارات ضد الغير تأمينًا شاملًا, إذا كان التعويض في حدود الضرر الفعلي لا أكثر، وإذا جرى التأمين على السيارات أو غيرها في الممتلكات أو الأموال بالصورة المشروعة, فإن الأرباح تكون حلالًا, ما لم يداخلها شرط آخر غير مشروع. والله أعلم.

 

ثانيًا: الفتاوى العلمية:

1/ فتاوى متنوعة لسماحة الشيخ ابن باز.

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله عن موضوع التأمين على السيارات ([3]).

فأجاب رحمه الله:

التأمين محرم، هذا هو الأصل، لأنه ربا وغرر, فالمؤمن يعطي مالًا قليلا ويأخذ مالًا كثيرا، وقد لا يأخذ شيئًا, وقد تخسر الشركة أموالا عظيمة؛ لكن لا تقل: آخذ من ذا, ومن ذا، ومن ذا، فيحصل الربح من جهة لكن من جهة أخرى قد يعطي شركة التأمين عشرة آلاف, وتخسر عليه عشرات الآلاف. ومن هنا يأتي الغرر.

 

2/ فتوى فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين رحمه الله.

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله عن موضوع التأمين على السيارات ([4]).

فأجاب رحمه الله:

هذا لا يجوز؛ حيث من أمّن على سيارته يدفع للشركة مالا شهريًا، وقد لا يحتاجهم مدة طويلة, فيذهب عليه ماله الذي دفعه، وأحيانًا تتعطل سيارته كثيرًا أو تدفع له الشركة أضعاف ما أخذت منه, وهو لا يحل له؛ لأنه في غير مقابل، ثم إن كثيرًا من المؤمِّنين يتهورون, ويركبون الأخطار, ويسببون كثرة الحوادث معتمدين على الشركة، وفيه ضرر على الناس، فتركه أسلم.

 

3/ فتوى فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله.

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله عن موضوع التأمين على السيارات.

فأجاب رحمه الله:

لا نقيسه على هذا, فإن شركات التأمين هذه لا شك أنها محرمة, وأنها من الميسر, الذي قرنه الله تعالى بالخمر وعبادة الأصنام والاستقسام بالأزلام, كما قال الله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) [المائدة: 90], وذلك لأن هذا العقد ضرر دائر بين الغنم والغرم, وكل عقد هذه حاله فإنه من الميسر, إذ إن الإنسان يكون فيه حاله دائرة بين أن يكون غانمًا أو غارمًا, وأضرب لك مثلًا بأنه إذا كان عندي سيارة, وأعطيت شركات التأمين مبلغًا من المال كل شهر مثلا, لنفرض أنه مائة ريال, فمعنى ذلك أنها ستطلب في السنة ألفا ومائتي ريال, قد يحدث حادث على سيارتي يستهلك خمسة آلاف ريال لإصلاحها, وحينئذ تكون الشركة غارمةً, لأنه أخذ منها أكثر مما بذل لها, وقد يكون الأمر بالعكس, قد تمضي السنة والسنتان والثلاث, ولم يحصل على سيارتي حادث, وحين إذن أكون أنا غارمًا, لأنه أخذ مني مبلغًا من المال بغير حق, وهذا بعينه هو الميسر, لأنه يشبه الرهان الذي قد يكون الإنسان فيه غانما وقد يكون فيه غارمًا, ولأنه نفس ما قاله الرسول عليه الصلاة والسلام, حيث نهى عن بيع الغرر, فإن هذا يشبهه, إن لم يكن هو إياه, ثم إن في هذه التأمينات في الحقيقة إضرارًا بالمجتمع وإخلالا بالأمن, لأن هذا الذي قد أمن على حادث سيارته قد يؤديه هذا التأمين إلى التهور وعدم المبالاة بالصدم والحادث, لأنه يرى أنه مؤمن له, ولهذا ينبغي حفظًا لأمن المجتمع أن تمنع هذه التأمينات أو هذه الشركات, فالذي أرى فيه هذا أنه يجب على كل مؤمن أن يجعل اعتماده على ربه سبحانه وتعالى, وأن يبتعد عن المعاملات المحرمة, لأن هذا المال الذي بأيدينا هو عارية، إما أن يؤخذ منا ويتلف في حياتنا, وإما أن نؤخذ منه ونتلف ويبقى لغيرنا, فالواجب على المؤمن ألا يجعل المال غاية بل يجعله وسيلة, وليتذكر دائمًا قول الله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)[المنافقون: 9], ليتذكر دائمًا قول الله عز وجل: (حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ) [المؤمنون: 99] أي من جملة ما يدخل في هذه الآية: لعلي أنفق مالي الذي تركته فيما يقربني إلى الله من الأعمال الصالحة, فقال الله عز وجل: ( كُلًّا) بمعنى حقًا (إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ۖ وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) [المؤمنون: 100] فنصيحتي للمسلم ألا يتشبه بالكفار, الذين يجعلون المال غاية لا وسيلة, ويجعلون الدنيا مقرًا, لأن مقر المؤمن هي دار الآخرة, التي هي خير وأفضل وأعظم من هذه الدنيا بكثير, كما قال الله تعالى: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) [السجدة: 17], وليعلم أنه إذا اتقى الله عز وجل في عباداته ومعاملاته وأخلاقه وولايته, التي ولي عليها من أهله من زوجات وغيرهم, ليعلم أنه يتق الله عز وجل في ذلك, فإن الله تعالى قد ضمن له وهو لا يخلف الميعاد أن يرزقه من حيث لا يحتسب(وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا(2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا )[الطلاق: 2-3]، (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ) [الطلاق: 4]، فأنت يا أخي المؤمن اصبر والرزق سيأتيك إذا سعيت له بالأسباب المشروعة غير المحظورة, وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: (إنه ألقي في روعي: إنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها, فاتقوا الله وأجملوا في الطلب), ونسأل الله تعالى أن يحمي المسلمين من الربا والميسر, وأن يسهل لهم معاملاتهم الطيبة التي يأكلونها رغدًا هنيئًا, لا تبعة عليهم في الدنيا ولا في الآخرة, لكن قد يقول قائل: إذا ابتليت بهذا الأمر فقدمت إلى بلد أو كنت في بلد يرغموني على هذا التأمين, فماذا أصنع هل أعطل سيارتي واستأجر أم ماذا أصنع؟ أقول في هذا: إنه إذا أرغمت على هذا التأمين فلا حرج عليك أن تدفع ما أرغمت عليه, ولكن إذا حصل عليك حادث, فلا تأخذ منهم إلا مقدار ما دفعت, لا تأخذ منهم ما يكون بهذا الحادث إذا كان أكثر مما أعطيتهم, وبهذا تكون خرجت من التبعة, لأنك ظلمت في هذا العقد المحرم, الذي أجبرت عليه, وبدفع هذه الفلوس التي أجبرت على دفعها, فإذا ظلمت فإنك تأخذ قدر مظلمتك باختيارهم هم, لأنهم هم الذين سيدفعون إليك هذا بمقتضى العقد الذي أجبروك عليه, فلا أرى بأسًا أن تأخذ منهم مقدار ما دفعت فقط على هذا الحادث الذي حصل لك, وإذا كان الحادث أقل مما دفعت فهم لم يعطوك إلا بقدر الحادث, وهذا لا شك أنك ستأخذه.


[1]) ينظر : نص السؤال في فتوى رقم (256) .

[2]) ينظر : نص السؤال في فتوى رقم (2066) .

[3]) ينظر : نص السؤال في فتوى رقم (185) .

[4]) ينظر : نص السؤال في فتوى رقم (7006) .

المراجع

1/ الهيئة الشرعية ببيت التمويل الكويتي, فتوى رقم (256).
2/ مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لسماحة الشيخ ابن باز، كتاب البيوع – باب الضمان – حكم التأمين على السيارات ( 19 / 315).
3/ فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين رحمه الله, فتوى رقم (7006).
4/ فتاوى نور على الدرب، البيوع، لفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله.

مسائل ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى