قسم الجنايات والقضاء والعلاقات الدوليةباب الجنايات

الاعتداء على برامج الحاسب بأخذ بعض محتوياتها من دون إذن منتجيها

مسألة رقم 20

العناوين المرادفة

نسخ البرامج الإلكترونية بدون إذن.
المتاجرة بالبرامج المنسوخة غير الأصلية.

صورة المسألة

بعد أن توسعت الشركات في إنتاج برامج متعددة ومتنوعة، واكب ذلك سرعة في طرح البرامج للاستفادة السريعة من المردود المادي لها، وحيث إن بعض الشركات تريد الكسب السريع، حتى ولو كان ذلك على حساب الآخرين، فإن بعض الشركات تعمد إلى أخذ بعض محتويات البرامج الأخرى، ومن ثمّ إدراجها ضمن البرامج التي تنتجها، ولا يلزم أن يكون ذلك الأخذ أخذًا للفكرة الأساسية للبرامج، بل يكون ذلك في نظام الحماية، أو بعض برمجيات البرنامج، أو قد يكون ذلك الأخذ أخذًا لبعض المعلومات المهمة الموجودة في البرنامج، كما وجد من بعض الشركات التي تعمل في إنتاج البرامج المتخصصة بالكتب الإلكترونية من أخذ بعض محتويات برنامج شركة أخرى.

حكم المسألة

الفعل الذي تضمنته هذه المسألة فعل محرم لما يلي:

١. أن البرنامج أصبح من الأموال التي تعارف الناس على اعتبارها أموالا يتبايعونها، وتحدث المشاحة بينهم في تحصيلها، والاستئثار باستثمارها، وقد جاءت الشريعة بحرمة الاعتداء عمومًا، وحرمة الاعتداء على الأموال خصوصًا، ومن ذلك: قوله صلى الله عليه وسلم: «كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه» [رواه مسلم (1739)].

٢. أن في هذا الفعل إضرارًا بصاحب البرنامج المعتدى عليه؛ لأنه في هذه الحال يفوته قيمة هذا الجزء من البرنامج الذي تم أخذه، وقد يصبح المعتدي على البرنامج منافسًا للمعتدى عليه في المجال نفسه، فيزداد الضرر ضررًا.

ولكن يبقى سؤال، وهو: ما عقوبة من قام بأخذ بعض محتويات برنامج وقام بتضمينه في برنامجه؟

هل تطبق عليه أحكام السرقة، أم الغصب، أم الإتلاف؟

أولاً:: تطبيق أحكام السرقة على هذه المسألة.

عند النظر إلى ماهية السرقة، وهي أنها أخذ المال خفية، وإرادة تطبيق أحكامها على هذه المسألة نجد أن هناك فرقًا جوهريًا بين المسألتين، وهو: أن السارق إذا سرق المال فإن صاحب المال لا يستطيع الانتفاع بالمال؛ لأن المال غير موجود عنده الآن، فالمال مع السارق، وصاحب المال ليس معه من المال المسروق شيء.

وأما في هذه المسألة فالمال مع صاحب المال، بل قد ينتفع به، ويبيعه ويضعه في برامجه الأخرى، وهو لا يعلم أن أحدًا قد اعتدى على برنامجه.

وهنا لا يمكن تطبيق أحكام السرقة على هذه المسألة؛ لأن هناك فرقًا جوهريًا بين ماهية السرقة وهذه المسالة.

ثانياً: تطبيق أحكام الغصب على هذه المسألة.

الغصب هو الاستيلاء قهرًا وظلمًا على مال شخص آخر، فالغاصب يأخذ مال غيره قهرًا، والآخر لا يستطيع أن يحوز هذا المال أو يستولي عليه؛ لأنه في قبضة الغاصب.

وأما في هذه المسألة فإن صاحب البرنامج والمعتدي عليه ينتفعون بالبرنامج سويًا، من غير نقيصة على صاحب البرامج، اللهم إلا في تقليل الأرباح، أو كون المعتدي منافسًا لصاحب البرنامج من غير أن يقوم بأي جهد يذكر يستحق من خلاله أن يكون منافسًا لصاحب البرنامج.

ثالثاً: تطبيق أحكام الإتلاف على هذه المسألة:

في إتلاف البرامج تزول منفعة البرامج أو بعضها في الإتلاف الجزئي وفي هذه الحال لا صاحب البرنامج ولا المعتدي عليه يمكنه الانتفاع بالبرنامج المتلف.

وأما في هذه المسألة فصاحب البرنامج والمعتدي على البرنامج كلاهما يمكنه الانتفاع بالبرنامج المعتدى عليه.

وإذا تقرر ما سبق يبعد تطبيق أحكام السرقة والغصب والإتلاف على هذه المسألة؛ لأن هناك فرقًا جوهريًا بين هذه الأحكام وبين أخذ بعض محتويات البرنامج، وهو أنه في المسائل السابقة لا يمكن أن ينتفع المعتدي والمعتدى عليه بشيء واحد في الوقت نفسه.

وأما في هذه المسألة ينتفع المعتدي والمعتدى عليه بما تم أخذه من البرنامج في الوقت نفسه.

وعلى ذلك فإن الأنسب في حكم هذه المسألة: إعطاؤها حكمًا جديدًا يراعى فيه القواعد الشرعية والضوابط المرعية، وتستقى أحكامها من الأصول مباشرة، ولعل ألصق الأصول بهذه المسألة ما قرره الفقهاء رحمهم الله في قاعدة: الضرر يزال، ومن القواعد المهمة المندرجة تحت هذه القاعدة: الضرر لا يزال بمثله.

وإذا تقرر ما سبق، فإن العقوبة الأمثل هي: التعويض، والتعزير.

أما التعويض فإن تحديده يرجع إلى أهل الخبرة، فيقوّم الجزء المأخوذ من البرنامج، ثم يعطى صاحب الحق قيمة ما أخذ منه.

ومن الممكن أيضًا أن يتم الصلح بين صاحب البرنامج والمعتدي على البرنامج، بأن يشارك صاحبُ البرنامج من اعتدى عليه في الأرباح بقدر الجزء الذي تم أخذه من برنامجه، فلو كان الجزء الذي أخذ من البرنامج يعادل عُشْر قيمة البرنامج، فإنه يكون شريكًا في العشر. وقال ابن تيمية – رحمه الله-: وقيل: بل يقسم الربح بينه وبين أرباب الأموال كالمضاربة، كما فعل عمر بن الخطاب في المال الذي أقرضه أبو موسى الأشعري لابنيه دون العسكر، وهذا أعدل الأقوال([1]).

وأما التعزير، فإن مرجعه للقاضي يعزر بما يراه رادعًا للمعتدي، وإن وجد نظام في ذلك عمل به، ما لم يكن فيه مخالفة شرعية.


([1]) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم(30/329).

المراجع

• الأحكام المتعلقة بالطيران وآثاره (رسالة دكتوراه ـ كلية الشريعة ـ جامعة الإمام) د. فايز الفايز (352ـ 353).
• النوازل الفقهية في الجنايات والحدود وتطبيقاتها القضائية (بحث تكميلي ـ المعهد العالي للقضاء ـ جامعة الإمام) سعد الجلعود (72).
• العاهات النفسية، وأثرها في المسؤولية الجنائية، (بحث تكميلي ـ المعهد العالي للقضاء ـ جامعة الإمام) خالد الحويس (87).
• الاعتداء الإلكتروني دراسة فقهية (رسالة دكتوراه ـ الفقه ـ كلية الشريعة)، د. عبدالعزيز الشبل (65) فما بعدها.
• الإتلاف المعلوماتي، حسن حماد حميد.
• الكتاب الأسود عن فيروسات الكمبيوتر، عبدالحميد بسيوني (13).
• القاموس الشامل لمصطلحات الحاسب الآلي، فاروق حسين (448).
• النظام السعودي لمكافحة جرائم المعلوماتية.
• أحكام تقنية المعلومات “الحاسب الآلي وشبكة المعلومات (الإنترنت)” (رسالة دكتوراه ـ الفقه المقارن ـ المعهد العالي للقضاء)، د. عبدالرحمن السند (266).
• الجريمة الإلكترونية وتطبيقاتها في المملكة العربية السعودية، أبرار محمد المجلي.
• النظام السعودي لمكافحة جرائم المعلوماتية.
• الاعتداء الإلكتروني دراسة فقهية (رسالة دكتوراه ـ الفقه ـ كلية الشريعة)، د. عبدالعزيز الشبل (256) فما بعدها.
• الجريمة المعلوماتية، رحاب عميش.
• الإنترنت والقانون الجنائي، جميل عبدالباقي (37).
• جرائم الحاسوب والإنترنت، محمد الشوابكة (166).
• جرائم الإنترنت، منير الجنيهي (65).
• جرائم الحاسب الإلكتروني، هدى قشقوش (95).
• الاعتداء الإلكتروني دراسة فقهية (رسالة دكتوراه ـ الفقه ـ كلية الشريعة)، د. عبدالعزيز الشبل (212) فما بعدها.
• حقوق الاختراع والتأليف في الفقه الإسلامي (رسالة ماجستير ـ الفقه ـ كلية الشريعة)، د. حسين الشهراني (444) فما بعدها.
• مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم(30/329).
• النقود الإلكترونية (رسالة دكتوراه ـ قسم الفقه ـ كلية الشريعة) يوسف التويجري (593) فما بعدها.
• الحماية الجنائية للتجارة الإلكترونية، د. محمد عبيد الكعبي.

مسائل ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى