قسم المعاملات الماليةباب الإجارة

الإجارة المنتهية بالتمليك

مسألة رقم 1

صورة المسألة

للإجارة المنتهية بالتمليك صور متعددة، منها ما ينتهي بالوعد بالتمليك، ومنها ما ينتهي بالهبة، ومنها إجارة ساترة للبيع، لكن الصورة التي تشمل أغلبها وهي الأشهر فب الواقع: أن يعقد طرفان على أن يؤجر أحدهما لآخر سلعة معينة, مقابل أجرة معينة, يدفعها المستأجر على أقساط, خلال مدة محددة، تنتقل بعدها ملكية السلعة للمستأجر عند سـداده لآخر قسط بعقد جديد.

حكم المسألة

أولا ً: اختلف العلماء المعاصرون في حكم هذا العقد, وكان لهم اتجاهان:

الاتجاه الأول: جواز وصحة هذا العقد, وممن قال بذلك الهيئة الشرعية لمصرف الراجحي والهيئة الشرعية لبيت التمويل الكويتي, وذهب مجمع الفقه الإسلامي الدولي إلى جواز بعض صور الإيجار المنتهي بالتمليك.

الاتجاه الثاني: المنع من هذا العقد, وممن قال بذلك هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية.

 

ثانيًا: ضابط الصور الجائزة والممنوعة ما يلي:

أ ـ ضابط المنع: أن يرد عقدان مختلفان، في وقت واحد، على عين واحدة، في زمن واحد.

ب ـ ضابط الجواز:

1ـ وجود عقدين منفصلين, يستقل كل منهما عن الآخر زمانا, بحيث يكون إبرام عقد البيع بعد عقد الإجارة، أو وجود وعد بالتمليك في نهاية مدة الإجارة. والخيار يوازي الوعد في الأحكام.

2ـ أن تكون الإجارة فعلية, وليست ساترة للبيع.

 

أهم أدلة القائلين بصحة الإجارة المنتهية بالتمليك:

1/ اجتماع البيع والإجارة في صفقة واحدة جائز, لعدم التنافي بين العقدين.

2/ الوعد بالهبة بعد عقد الإيجار ملزم قطعًا.

 

أهم أدلة القائلين بعدم صحة الإجارة المنتهية بالتمليك:

1/ أنه عقد جامع بين عقدين على عين واحدة, غير مستقر على أحدهما, وهما مختلفان في الحكم متنافيان فيه.

2/ أن الأجرة تقدر سنويًّا أو شهريًّا بمقدار مقسط يستوفى به قيمة المعقود عليه، يعده البائع أجرة من أجل أن يتوثق بحقه, حيث لا يمكن للمشتري بيعه, ولا يخفى ما في هذا من الظلم والإلجاء إلى الاستدانة لإيفاء القسط الأخير.

3/أن هذا العقد وأمثاله أدى إلى تساهل الفقراء في الديون, حتى أصبحت ذمم كثير منهم مشغولة منهكة، وربما يؤدي إلى إفلاس بعض الدائنين, لضياع حقوقهم في ذمم الفقراء.

 

قرارات المجامع الفقهية والهيئات الشرعية والفتاوى العلمية.

 

أولاً: قرارات المجامع الفقهية:

1/ قرر مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في قراره رقم: 110(4/12) في دورته الثانية عشرة بالرياض في المملكة العربية السعودية، من جمادى الآخرة 1421هـ إلى غرة رجب 1421هـ (23ـ 28سبتمبر 2000) قرر ما يلي:

الإيجار المنتهي بالتمليك:

 

أولا: ضابط الصور الجائزة والممنوعة ما يلي:

ج ـ أن يكون ضمان العين المؤجرة على المالك لا على المستأجر، وبذلك يتحمل المؤجر ما يلحق العين من غير تلف ناشئ من تعد المستأجر أو تفريطه، ولا يلزم المستأجر بشيء إذا فاتت المنفعة.

د ـ إذا اشتمل العقد على تأمين العين المؤجرة, فيجب أن يكون التأمين تعاونيًّا إسلاميًّا لا تجاريًّا, ويتحمله المالك المؤجر وليس المستأجر.

هـ ـ يجب أن تطبق على عقد الإجارة المنتهية بالتمليك أحكام الإجارة طوال مدة الإجارة, وأحكام البيع عند تملك العين.

وتكون نفقات الصيانة غير التشغيلية على المؤجر لا على المستأجر, طوال مدة الإجارة.

 

ثانيا: من صور العقد الممنوعة:

أ ـ عقد إجارة ينتهي بتملك العين المؤجرة مقابل ما دفعه المستأجر من أجرة خلال المدة المحددة، دون إبرام عقد جديد، بحيث تنقلب الإجارة في نهاية المدة بيعا تلقائيا.

ب ـ إجارة عين لشخص بأجرة معلومة، ولمدة معلومة، مع عقد بيع له معلق على سداد جميع الأجرة المتفق عليها خلال المدة المعلومة، أو مضاف إلى وقت في المستقبل.

ج ـ عقد إجارة حقيقي, واقترن به بيع بخيار الشرط لصالح المؤجر، ويكون مؤجلا إلى أجل طويل محدد, (هو آخر مدة عقد الإجارة ).

وهذا ما تضمنته الفتاوى والقرارات الصادرة من هيئات علمية، ومنها هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية.

 

ثالثا: من صور العقد الجائزة:

أ ـ عقد إجارة يمكّن المستأجر من الانتفاع بالعين المؤجرة، مقابل أجرة معلومة في مدة معلومة، اقترن به عقد هبة العين للمستأجر، معلقا على سداد كامل الأجرة, وذلك بعقد مستقل، أو وعد بالهبة بعد سداد كامل الأجرة، (وذلك وفق ما جاء في قرار المجمع بالنسبة للهبة رقم (13/1/3) في دورته الثالثة ).

ب ـ عقد إجارة مع إعطاء المالك الخيار للمستأجر بعد الانتهاء من وفاء جميع الأقساط الإيجارية المستحقة, خلال المدة في شراء العين المأجورة بسعر السوق عند انتهاء مدة الإجارة (وذلك وفق قرار المجمع رقم 44 (6/5) في دورته الخامسة ).

ج ـ عقد إجارة يمكن المستأجر من الانتفاع بالعين المؤجرة، مقابل أجرة معلومة في مدة معلومة، واقترن به وعد ببيع العين المؤجرة للمستأجر بعد سداد كامل الأجرة بثمن يتفق عليه الطرفان.

د ـ عقد إجارة يمكّن المستأجر من الانتفاع بالعين المؤجرة، مقابل أجرة معلومة، في مدة معلومة، ويعطي المؤجر للمستأجر حق الخيار في تملك العين المؤجرة في أي وقت يشاء، على أن يتم البيع في وقته بعقد جديد بسعر السوق, (وذلك وفق قرار المجمع السابق رقم 44 (6/5), أو حسب الاتفاق في وقته.

 

رابعا: هناك صور من عقود التأجير المنتهي بالتمليك محل خلاف, وتحتاج إلى دراسة تعرض في دورة قادمة إن شاء الله تعالى، والله سبحانه وتعالى أعلم.

 

ثانيًا: قرارات وفتاوى الهيئات الشرعية:

1/ قرار مجلس هيئة كبار العلماء في الإيجار المنتهي بالتمليك في دوراته التاسعة والأربعين، الخمسين، والحادية والخمسين، بناء على استفتاءات متعددة إلى الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء، واطلع على البحوث المعدة في الموضوع من قبل عدد من الباحثين وفي دورته الثانية والخمسين المنعقدة في مدينة الرياض ابتداء من تاريخ 29/10/ 1420 هـ، استأنف دراسة هذا الموضوع، وبعد البحث والمناقشة رأى المجلس بالأكثرية أن هذا العقد غير جائز شرعا لما يأتي:

 

أولا: أنه جامع بين عقدين على عين واحدة, غير مستقر على أحدهما, وهما مختلفان في الحكم, متنافيان فيه.

فالبيع يوجب انتقال العين بمنافعها إلى المشتري، وحينئذ لا يصح عقد الإجارة على المبيع، لأنه ملك للمشتري، والإجارة توجب انتقال منافع العين فقط إلى المستأجر.

والمبيع مضمون على المشتري بعينه ومنافعه، فتلفه عليه عينا ومنفعة، فلا يرجع بشيء منهما على البائع، والعين المستأجرة من ضمان مؤجرها، فتلفها عليه عينا ومنفعة، إلا أن يحصل من المستأجر تعد أو تفريط.

 

ثانيًا: أن الأجرة تقدر سنويا أو شهريا بمقدار مقسط, يستوفى به قيمة المعقود عليه، يعده البائع أجرة من أجل أن يتوثق بحقه, حيث لا يمكن للمشتري بيعه.

مثال ذلك: إذا كانت قيمة العين التي وقع عليها العقد خمسين ألف ريال, وأجرتها شهريا ألف ريال حسب المعتاد, جعلت الأجرة ألفين، وهي في الحقيقة قسط من الثمن, حتى تبلغ القيمة المقدرة، فإن أعسر بالقسط الأخير مثلا سحبت منه العين, بوصفها أنها مؤجرة, ولا يرد عليه ما أخذ منه, بناء على أنه استوفى المنفعة.

ولا يخفى ما في هذا من الظلم والإلجاء إلى الاستدانة لإيفاء القسط الأخير.

 

ثالثاً: أن هذا العقد وأمثاله أدى إلى تساهل الفقراء في الديون حتى أصبحت ذمم كثير منهم مشغولة منهكة، وربما يؤدي إلى إفلاس بعض الدائنين لضياع حقوقهم في ذمم الفقراء.

ويرى المجلس أن يسلك المتعاقدان طريقًا صحيحًا, وهو أن يبيع الشيء ويرهنه على ثمنه, ويحتاط لنفسه بالاحتفاظ بوثيقة العقد واستمارة السيارة ونحو ذلك. والله الموفق.

2/ صدرت فتوى من بيت التمويل الكويتي بأن البيوع من العقود التي لا تقبل الإضافة إلى المستقبل، و لذا لا ينعقد، ولا يصح، و لكن تجوز المواعدة على التبايع، فإذا انتهت مدة الإجارة أو فسخت أحدث المتعاقدان بيعًا للعين المؤجرة([1]).

3/ قرار الهيئة الشرعية لمصرف الراجحي.

وقد سئلت الهيئة الشرعية لمصرف الراجحي عن موضوع الإجارة المنتهية بالتمليك([2]).

 

فأجابت:

لا ترى الهيئة مانعًا شرعيًّا من دخول الشركة في عقد إجارة يمنح المستأجر فيه خلال مدة العقد –و على أوقات متساوية– الحق في شراء العين المؤجرة, وفق العرض المقدم من المؤجر, بشرط أن يكون الثمن معلومًا عند توقيع عقد الإجارة، و ألا يكون ستارا لعملية تمويل ربوي.


[1]) ينظر نص السؤال في فتوى رقم ( 224 ) .

[2]) ينظر : نص السؤال في قرار رقم ( 93 ) .

المراجع

1/مجلة مجمع الفقه الإسلامي الدولي، الدورة الثانية عشرة، عام (1421هـ ـ 2000م)،( ج 1 ص 364).
2/ الهيئة الشرعية لبيت التمويل الكويتي, فتوى رقم (224 ).
3/ قرارات الهيئة الشرعية لمصرف الراحجي 2/166 , قرار رقم (93 ).
4/ قرارات مجلس هيئة كبار العلماء في الإيجار المنتهي بالتمليك وفي دورته الثانية والخمسين المنعقدة في مدينة الرياض ابتداء من تاريخ 29/10/ 1420 هـ.
5/ الإجارة الطويلة والمنتهية بالتمليك في الفقه الإسلامي (رسالة ماجستير)، سليمان بن عبدالله الخميس, جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية, كلية الشريعة, الرياض.
6/ الإجارة الطويلة والمنتهية بالتمليك في الفقه الإسلامي (رسالة ماجستير)، سعيد الحازمي , جامعة الملك سعود.
7/ عقد الإيجار المنتهي بالتمليك، دراسة مقارنة بين الشريعة الإسلامية والنظم المعاصرة (رسالة ماجستير), سليمان وارد معيوف المساعيد, المملكة الأردنية الهاشمية (1994م).
8/ عقد الإجارة المنتهية بالتمليك من التطبيقات المعاصرة لعقد الإجارة في الفقه الإسلامي (رسالة ماجستير), محمد يوسف عارف الحاج محمد, المملكة الأردنية الهاشمية (2002م).

مسائل ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى