قسم الجنايات والقضاء والعلاقات الدوليةباب مسائل القضاء

استخدام الأجهزة الأمنية لبعض وسائل التقنية في كشف الجريمة

مسألة رقم 255

العناوين المرادفة

1. التحقيق بوسائل التقنية الحديثة.
2. إثبات الجرائم بوسائل التقنية الحديثة.
3. استعمال التقنية الحديثة في كشف الجرائم.
4. استخدام التقنيات الحديثة في التحقيق الجنائي.

صورة المسألة

ظهرت في العصر الحديث أجهزة كثيرة تحمل تقنيات عالية في إثبات خيوط الاستدلال على الجرائم التي يرتكبها البشري، وتخل بالأمن العام، ولكن قبل بيان الحكم تجدر الإشارة إلى بعض التقنيات الحديثة التي تستخدم في مجال كشف الجرائم، ومن جملتها:
أولا: التقنيات الحديثة التي تستخدم في كشف التزوير، ومن الأجهزة التي تتوافر فيها هذه الخاصية أجهزة التحليل باستخدام الأشعة تحت الحمراء، والتي تستخدم للتمييز بين أنواع الأقمشة المختلفة، وقراءة ما بداخل الخطابات المغلفة إذا سمح بذلك نوع الحبر المستعمل في الكتابة، ونفاذ الأشعة إلى داخل المظروف، وكذلك التمييز بين الأحبار المختلفة التي قد تظهر في الضوء العادي بلون واحد…وكل ذلك لكشف عمليات التزوير.
ثانيا: التقنيات الحديثة في فحص الأسلحة باعتبار أنها تمثل أداة مهمة من أدوات الإجرام، ويأتي في مقدمتها السلاح الناري بأنواعه، ويمكن بواسطة التقنيات الحديثة معرفة نوع السلاح المستخدم، والمسافة التي أطلقت منها، وهوية مستخدم السلاح..؛ كل ذلك بواسطة التصوير أو أخذ عينة من الآثار من مسرح الجريمة لتفحص بعد ذلك في المعامل الجنائية التي تبين لاحقا ما إذا كانت الإصابة جنائية أو انتحارية.
ثالثا: التقنيات الحديثة في كشف الجرائم بواسطة كاميرات المراقبة التي تضعها الأجهزة الأمنية في الشوارع وبعض الدوائر الحكومية والأماكن العامة… لغرض تصوير الحوادث الواقعة فيها مما يسهل لاحقا الوصول إلى الجناة من خلال تصوير الفيديو لمسرج الجريمة.
والسؤال الذي يرد الآن، هل يجوز استخدام هذه التقنيات في إثبات الجرائم؟

حكم المسألة

أولا: هذه المسألة مبنية على العمل بالقرائن في إثبات الجنايات الموجبة للعقوبات، وقبل بيان الحكم في اعتبارها في بناء الأحكام الشرعية والجنائية منها بوجه خاص يحسن بيان أقسام القرائن باعتبار قوتها، وهي تنقسم بهذا الاعتبار إلى ثلاثة أقسام، وبيانها فيما يلي:

الأول: القرائن القطعية: وهي التي تدل على المطلوب من غير احتمال؛ وذلك مثل: أن يشهد أربعة على رجل بالزنا، ثم يظهر أنه مجبوب لا آلة له؛ فإن قرينة الجب تدل بصورة قاطعة على كذب الشهود.

الثاني: القرينة الظنية: وهي التي تدل على المطلوب مع احتمال العكس؛ كما لو تنازع الزوجان في متاع البيت، ولا بينة لكل منهما، فإن الحكم حينئذ أن لكل منهما ما يصلح له على مذهب الجمهور عملا بدلالة الظاهر.

الثالث: القرينة المتوهمة: وهي التي تدل على المطلوب مع ثبوت المعارض الأقوى؛ وذلك كشبه الولد بغير أبيه لا يكون دليلا على زنا المرأة؛ لأن احتمال أن يكون نزعه عرق أقوى.

 

ثانيا: لما لم يفرد الفقهاء بابا مستقلا في كتب الفقه – يتناولون فيه حجية القرائن – ستكون حكاية الخلاف على العمل بها من حيث الجملة باعتبار أن كلامهم فيه مبثوث في مسائل متفرقة يتعذر ضبطه بأحكام كلية، والخلاف في ذلك على اتجاهين:

الاتجاه الأول: أن القرائن حجة شرعية؛ فيجوز العمل بها، وهو مذهب الجمهور كما صرح به كثير من فقهاء المذاهب الأربعة: ابن الغرس وابن نجيم من الحنفية، وابن العربي وابن فرحون من المالكية، والعز بن عبدالسلام من الشافعية، وابن تيمية وابن القيم من الحنابلة، وأخذت به محاكم المملكة العربية السعودية في إثبات أو نفي الجرائم التعزيرية، وعليه العمل من حيث الجملة في كثير من البلاد الإسلامية.

الاتجاه الثاني: أن القرائن ليست حجة شرعية، فلا يجوز العمل بها، ونسبه بعض الباحثين إلى شهاب الدين القرافي من المالكية، وشهاب الدين الرملي من الشافعية.

استدل أصحاب الاتجاه الأول (القائلون بحجية القرائن) بجملة من الأدلة، أبرزها:

  1. قوله تعالى: (وَجَاءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ۚ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا) [يوسف: 18[.

وجه الدلالة: أن إخوة يوسف – عليه السلام – لما جاؤوا بدم كذب يستدلون به على أن الذئب أكله ردّ عليهم أبوهم أنهم قد دبروا في حقه أمرا؛ لاستحالة أن يأكله الذئب دون أن يمزق قميصه، وفي هذا استدلال بالقرائن في إثبات الجناية.

  1. وقوله : (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ) ]يوسف: 26[ .

وجه الدلالة: أن الله – تبارك وتعالى – أقر قول الشاهد في الاستدلال بقدّ القميص من الدبر على كذب امرأة العزيز، وفي هذا استدلال على نفي الزنا في حال الاشتباه اعتمادا على القرائن.

  1. أن الله – تبارك وتعالى – مدح الفراسة وأهلها في مواضع من كتابه، منها:
  • قوله (إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ) ] الحجر: 75[.
  • وقوله: (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ) ]محمد: 30[.
  • وقوله: (تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا) ] البقرة: 273[.
  1. أن النبي – ﷺ– قضى بالقسامة في قصة عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود حين أتيا خيبر، فتفرقا في النخل، فقتل عبد الله بن سهل، فجاء عبد الرحمن بن سهل وحويصة ومحيصة ابنا مسعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فتكلموا في أمر صاحبهم، فقال النبي -ﷺ-: (أتستحقون قتيلكم – أو قال: صاحبكم – بأيمان خمسين منكم) قالوا: يا رسول الله، أمر لم نره. قال: (فتبرئكم يهود في أيمان خمسين منهم) قالوا: يا رسول الله، قوم كفار. فوداهم رسول الله ﷺ من قبله، قال سهل: فأدركت ناقة من تلك الإبل، فدخلت مربدا لهم فركضتني برجلها) ]أخرجه البخاري برقم: (6142) 8/ 34، ومسلم برقم: ( 1669) 3/1291[.

وجه الدلالة: أنه – ﷺ – قضى باللوث في الدماء، وفي هذا عمل بالقرائن.

  1. عمل الصحابة – رضي الله تعالى عنهم – بالقرائن في الحدود وغيرها، فمن ذلك:
  • أن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – أمر برجم المرأة التي حملت ولا زوج لها، ولا سيد.
  • أن عمر بن الخطاب وابن مسعود – رضي الله عنهما – حكما بحدّ من وجد فيه رائحة الخمر أو تقيأها استنادا إلى القرينة الدالة على لوازم الجريمة وآثارها.

استدل أصحاب الاتجاه الثاني (القائلون بعدم حجية القرائن) بجملة من الأدلة، أبرزها:

  1. قوله – عليه الصلاة والسلام – : (لو كنت راجما أحد بغير بينة لرجمت فلانة، فقد ظهر منها الريبة في منطقها وهيئتها ومن يدخل عليها) ]أخرجه أبو داود برقم:(2559) 2/855، وصحح إسناده ابن حجر في الصحيح، وأوله في الصحيحين[.

وجه الدلالة: لو جاز العمل بالقرائن لأقام النبي صلى الله عليه وسلم على هذه المرأة الحد نظرا إلى تحقق الأمارات الدالة على وقوع الزنا منها، ولكنه لم يقمه عليها لعدم اعتبار القرائن في الحجية.

  1. أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي – ﷺ – بشريك بن سحماء، فقال النبي ﷺ : (البينة أو حد في ظهرك)، فقال: يا رسول الله، إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا، ينطلق يلتمس البينة؟ فجعل يقول: (البينة وإلا حد) ]أخرجه البخاري برقم: (2671) 3/178[.

وجه الدلالة: أن هذه الواقعة احتف بها قرائن دالة على وقوع الزنا منها؛ لكن لم يعمل بها النبي -ﷺ- في إثبات الزنا بناء على عدم اعتبار حجية القرائن في كشف الجرائم.

  1. أن القرائن تفيد الظن، والظن لا يصلح دليلا في إثبات الجرائم التي توجب العقوبات نظرا إلى أنه قد ورد ذمه في آيات كثيرة، منها على سبيل المثال:
  • قوله تعالى : (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ۚ إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ )]يونس: 36[.
  • وقوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) ]الحجرات: 12[.
  • وقول النبي -ﷺ- : (إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث) ]أخرجه البخاري برقم: (5143 ) 7/ 19، ومسلم برقم: (2563) 4/1985[.
  1. حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رجلا أتى النبي – ﷺ – فقال : يا رسول الله ولد لي غلام أسود، فقال: (هل لك من إبل؟) قال: نعم، قال: (ما ألوانها)، قال: حمر، فقال: (هل فيها من أورق؟) قال: نعم، قال: (فأنى ذلك) قال: لعله نزعه عرق، قال: (فلعل ابنك هذا نزعه عرق) ]أخرجه البخاري برقم:( 6847) 8/173[.

وجه الدلالة: أن النبي -ﷺ– لم يحكم على المرأة بالزنا أو يقِم الحد عليها اعتبارا بقرينة انتفاء الشبه؛ فدل ذلك على سقوط حجية القرائن في إثبات الجرائم.

  1. أن الشارع علّق ثبوت كثير من الجرائم المتعلقة بإتلاف النفوس والأموال والأعراض بالإقرار أو الشهود، وفي العمل بالقرائن خروج عن توقيف الشارع؛ وذلك لا يجوز.
المراجع

1. الإثبات بالخبرة بين القضاء الإسلامي والقانون الدولي وتطبيقاتها المعاصرة- دراسة مقارنة، إعداد: عبدالناصر بن محمد شنور.
2. استخدام المحققين لوسائل التقنية وعلاقتها بالكشف عن الجريمة، محمد فريج العطوي، رسالة مقدمة لنيل درجة الدكتوراه في جامعة مؤتة، عام: 2009م.
3. الاعتداء الإلكتروني – دراسة فقهية، د. عبدالعزيز الشبل.
4. تقارير خبراء الأدلة الجنائية وعلاقتها بإثبات الجريمة، محمد بن أحمد أبو حميد، ماجستير بقسم العلوم الشرطية، تخصص تحقيق وبحث جنائي، جامعة نايف، عام: 1424 ه الموافق: 2003 م.
5. التقنيات الحديثة في التحقيق الجنائي وأثرها في ضبط الجريمة، للباحث سالم بن حامد البلوي، ماجستير في العلوم الشرطية، جامعة الأمير نايف العربية للعلوم الأمنية، عام: 1430 ه الموافق: 2009 م.

مسائل ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى