قسم الأسرةباب المواريث

أكثر مدة الحمل بين الطب والشرع

المسألة رقم 22

العناوين المرادفة

1. عدة الحامل.
2. مدة الحمل.

صورة المسألة

بعد تقدم الطب في مجال رعاية الأجنة ومعرفة حياة الجنين: تغيرت مسألة الحكم على أكثر مدة للحمل، حيث إنَّ هناك تبايناً واضحاً في هذه المسألة بين آراء علماء الطب المعاصرين، وآراء الفقهاء قديماً، ولذلك تدعو الحاجة لإعادة النظر في أكثر مدة للحمل، لما يترتب عليه من أحكام هامةٍ في حياة الناس.

حكم المسألة

اتفق الفقهاء على أنَّ أقل الحمل لبني الإنسان ستة أشهر، وتنازعوا في أكثر المدة التي تقضيها المرأة وهي حامل ويمكن إجمالاً أن نلخص الأقوال في قولين:

القول الأول: أن أقصى مدة الحمل هي المدة المعهودة تسعة أشهر، وبه قال داود وابن حزم من الظاهرية واختاره عامة الباحثين المعاصرين([1])

القول الثاني: يمكن أن يمتد الحمل أكثر من تسعة أشهر، وأصحاب هذا القول اختلفوا في أكثر الحمل على الأقوال التالية:

الأول: أنَّ أقصى مدة الحمل سنة واحدة لا أكثر، وبه قال محمد بن عبد الحكم وأختاره ابن رشد([2]).

الثاني: أنَّ الحمل قد يستمر إلى سنتين، وهو مذهب الحنفية([3]).

الثالث: أنه قد يستمر إلى ثلاث سنين، وهو قول الليث بن سعد([4]).

الرابع: أن أقصى الحمل أربع سنين، وهو مذهب الشافعية والحنابلة وأشهر القولين عند المالكية([5]).

الخامس: أن أكثر الحمل خمس سنين، وهو رواية عن مالك([6]).

السادس: أن أقصى الحمل ست سنين، وهو رواية عن مالك والزهري([7]).

السابع: أن أقصى الحمل سبع سنين، وبه قال ربيعة وهي رواية عن الزهري ومالك([8]).

الثامن: لا حدَّ لأكثر الحمل، فإذا ظهر بالمرأة حملٌ، أو وجدت القرائن الدالَّة على الحمل، كالحركة في البطن: فإننا ننتظر وإن طالت المدة، أما إذا مضت التسعة أشهر ولم يظهر بها علامات الحمل فلا انتظار، لأنَّ الأشهر التسعة هي المدة الغالبة، وبه قال أبو عبيدٍ والشوكاني([9]).

وهذه الأقوال المتعدِّدة إنما حكيت بناءً على ما توارد على السمع عندهم، من أنَّ هناك حملاً امتدّ لهذا الأمد، عدا أصحاب القول الأول والثاني، لأنهم استندوا لبعض النصوص.

 

وقد استدلَّ القائلون بزيادة مدة الحمل عن تسعة أشهر بأدلَّةٍ كثيرة، أشهرها ما يلي:

الدليل الأول: أنَّ كل ما لم يرد في الشرع واللغة تحديده فإنه يرجع في ذلك إلى العرف والواقع، فإذا ثبت في الواقع شيء أخذنا به، وقد وجد حمل زاد عن تسعة أشهر.

قال الشوكاني: ” لم يرد في حديث صحيح ولا حسن ولا ضعيف مرفوع إلى رسول الله ﷺ أنَّ أكثر مدة الحمل أربع سنين، ولكنه قد اتفق ذلك ووقع كما تحكيه كتب التاريخ…”([10]).

 

الدليل الثاني: ما روي عن الوليد بن مسلم قال: قلت لمالك بن أنس: إني حدثت عن عائشة أنها قالت: ” لا تزيد المرأة في حملها عن سنتين، قدر ظلّ المغزل ” فقال: سبحان الله، من يقول هذا؟ هذه جارتنا امرأة محمد بن عجلان، امرأة صدق، وزوجها رجل صدق، وحملت ثلاثة أبطن في اثنتي عشرة سنة، تحمل في كلّ بطنٍ أربع سنين” (الزيلعي في نصب الراية 3/264، والحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير 3/235).

 

الدليل الثالث: ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه رفع إليه امرأة غاب عنها زوجها سنتين، فجاء وهي حبلى، فهمَّ عمر برجمها، فقال معاذ بن جبل: يا أمير المؤمنين إنْ يك السبيل لك عليها، فلا سبيل لك على ما في بطنها، فتركها عمر حتى ولدت غلاماً قد نبتت ثناياه، فعرف زوجها شبهه، فقال عمر: عجز النساء أن يلدن مثل معاذ، لولا معاذ هلك عمر (أخرجه البيهقي في سننه الكبرى 7/ 443، برقم 15335، وعبد الرزاق في المصنف 7 /354 برقم 13454).

 

وأما القائلون بعدم تجاوز الحمل المدة المعهودة فاستدلوا بما يلي:

الدليل الأول: قوله تعالى ” ” ([11]) حيث جعل سبحانه وتعالى الثلاثين شهرًا مقصورةً على المدتين، فلا يجوز أن تكون إحداهما أكثر من ثلاثين شهرا ([12]).

الدليل الثاني: قوله تعالى: ( وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ) ([13]) .

قال ابن حزم: ” فمن ادعى أنَّ حملاً وفصالاً يكون في أكثر من ثلاثين شهراً فقد قال الباطل والمحال، ورد كلام الله عز وجل جهاراً “([14]).

الدليل الثالث: ما رواه سعيد بن المسيب، عن عمر رضي الله عنه أنه قال: أيما رجلٍ طلَّق امرأته فحاضت حيضةً أو حيضتين ثم قعدت، فلتجلس تسعة أشهر حتى يستبين حملها، فإن لم يستبن حملها في تسعة أشهر فلتعتدَّ بعد التسعة الأشهر ثلاثة أشهر، عدة التي قعدت عن المحيض.

وجه الدلالة: أنَّ عمر رضي الله عنه لا يرى الحمل أكثر من تسعة أشهر، هذه هي أشهر أدلَّة القول الثاني.

 

موقف الطب من أكثر الحمل:

أمَّا في الطب الحديث فأقصى مدة الحمل:- لا تزيد عن تسعة أشهر أو (280) يوماً، وقد تزيد عن ذلك في حالات غير طبيعية بحيث يصل الحمل إلى عشرة أشهر إذا أصاب المشيمة التي تغذي الجنين شيخوخة في الشهر التاسع، حيث تقل نسبة الأكسجين والغذاء المارين من المشيمة إلى الجنين فيموت، ولهذا يقوم الأطباء بتوليد المرأة بطرق صناعية إذا تجاوزت الشهر التاسع بأسبوع أو أسبوعين.

ومن النادر أن ينجو من الموت جنين بقي في الرحم خمسة وأربعون أسبوعا، ولاستيعاب النادر تكون أقصى مدة للحمل سبعة وأربعين أسبوعا، ولم يعرف أنَّ مشيمةً قدرت أن تمدَّ الجنين بعناصر الحياة لهذه المدة.

والظاهر أنَّ الأطباء لا يقبلون بأنَّ ثمة حمل يمتد لسنة فضلاً عن سنوات طويلة، أما الفقهاء الذين تعددت آراؤهم في المسألة:، فبنوا على ما نقل لهم وبلغهم عن نساء امتد عندهنَّ الحمل لفترات طويلة.

وتظهر ثمرة الخلاف: في إثبات النسب للزوج المتوفى أو المطلِّق، وكذلك الإلزام بالنفقة عند من يقول به، والميراث للطفل المولود، ولزوم العدة للمرأة، وإقامة حدِّ الزنا وغيرها من الأحكام الهامة.

جاء في توصيات الندوة الثالثة للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية سنة 1987م ما يلي:

” أقصى مدة الحمل: قرر الأطباء أنه يستمر نماء الحمل منذ التلقيح حتى الميلاد معتمدًا في غذائه على المشيمة، والأصل أن مدة الحمل بوجه التقريب مائتان وثمانون يوما تبدأ من أول أيام الحيضة السوية السابقة للحمل.

فإذا تأخر الميلاد عن ذلك ففي المشيمة بقية رصيد يخدم الجنين بكفاءة لمدة أسبوعين آخرين، ثم يعاني الجنين المجاعة من بعد ذلك لدرجة ترفع نسبة وفاة الجنين في الأسبوع الثالث والأربعين أو الرابع والأربعين، ومن النادر أن ينجو من الموت جنين بقي في الرحم خمسة وأربعين أسبوعًا.

ولاستيعاب النادر والشاذ تمتد هذه المدة أسبوعين آخرين لتصبح ثلاثمائة وثلاثين يوما، ولم يعرف أن مشيمة قدرت أن تمد الجنين بعناصر الحياة لهذه المدة.

وقد توسع القانون في الاحتياط مستندا إلى بعض الآراء الفقهية بجانب الرأي العلمي، فجعل أقصى مدة الحمل سنة “.


(1) المحلى لابن حزم 10 / 132، وتفسير القرطبي 9/287، وأحكام الجنين لعمر غانم، ص: 76، وأقل وأكثر مدة الحمل، دراسة فقهية طبية، د. عبد الرشيد بن محمد أمين بن قاسم1/ 13.

([2]) تفسير القرطبي 9/287، والفقه الإسلامي، للزحيلي 7/677.

([3]) حاشية ابن عابدين 5/511، وشرح فتح القدير لابن الهمام 4/362.

([4]) ذكره الكمال ابن الهمام في شرح فتح القدير 4 / 362، وابن قدامة في المغني 7 /477.

([5]) الكافي لابن عبد البر ص 293.

([6]) المصدر السابق، وتفسير القرطبي 9/287.

([7]) المصدران السابقان.

([8]) المصدران السابقان

([9]) السيل الجرار، للشوكاني 2/334 – 335، ولسان الحكام، لابن أبي اليمن، ص: 332.

([10]) السيل الجرار للشوكاني 2 / 334.

([11]) سورة الأحقاف: الآية 15.

([12]) المحلى لابن حزم 10/ 132- 133.

([13]) سورة البقرة: الآية 233.

([14])المحلى لابن حزم 10/ 132- 133.

المراجع

1. الندوة الثالثة للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية، عنوانهــا: بعض الممارسات الطبية، الكويت، شعبان 1407 هـ أبريل 1987 م.
2. فتاوى الأزهر:فتوى حول ادعاء الحمل: المفتي محمد بخيت، ربيع الأول 1338 هجرية 11 ديسمبر 1939م.
3. قانون الأحوال الشخصية المصري، القانون رقم 25 لسنة 1929، المادة 17.
4. أقل مدة الحيض والنفاس والحمل وأكثرها، للدكتور/ عمر سليمان الأشقر، كلية الشريعة، جامعة الكويت.
5. أحكام المرأة الحامل في الشريعة الإسلامية، يحيى الخطيب، نسخة إلكترونية.
6. خلق الإنسان بين الطب والقرآن، د.محمد البار، الدار السعودية للنشر والتوزيع – جدة، الطبعة الثامنة مزيدة، 1412هـ 1991م.
7. أحكام الحمل في الشريعة الإسلامية – دراسة فقهية مقارنة مع قانون الأحوال الشخصية، دكتور/ خالد محمد صالح، دار الكتب القانونية، القاهرة.
8. الفِقْهُ الإسلاميُّ وأدلَّتُهُ ” الشَّامل للأدلّة الشَّرعيَّة والآراء المذهبيَّة وأهمّ النَّظريَّات الفقهيَّة وتحقيق الأحاديث النَّبويَّة وتخريجها “، المؤلف: أ.د/ وَهْبَة الزُّحَيْلِيّ، جامعة دمشق، كلّيَّة الشَّريعة، الناشر: دار الفكر، سوريَّة، دمشق.
9. صفوة المسائل في التوحيد والفقه والفضائل، المؤلف: أبو رحمة / محمد نصر الدين محمد عويضة المدرس بالجامعة الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بجدة فرع مدركة ورهاط وهدى الشام 6/9/1416 هجرية.
10. فقه القضايا الطبية المعاصرة ” دراسة فقهية طبية مقارنة “: أ.د. علي محيي الدين القره داغي، أ.د. علي يوسف المحمدي، دار البشائر الإسلامية، بيروت، الطبعة الثانية، 1427هـ.

مسائل ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى