قسم الجنايات والقضاء والعلاقات الدوليةباب مسائل القضاء

أثر جهاز كشف الكذب في الإثبات

مسألة رقم 169

صورة المسألة

يذكر أهل الاختصاص في ” علم وظائف جسم الإنسان ” أن سائر أعضاء الجسم تخضع في حركاتها إما للجهاز العصبي الإرادي: وهي تلك الخاضعة في حركتها لمركز الإرادة بالمخ، كالأيدي والأرجل والشفاه، وغيرها من سائر الأعضاء التي يستطيع الإنسان تحريكها، أو إيقاف حركتها متى أراد ذلك، أو للجهاز العصبي الذاتي: وهي تلك الأعضاء ذات الحركة غير الإرادية الخاضعة للمراكز العصبية البعيدة عن مراكز الإرادة كعضلات القلب، والغدد العرقية، والدمع، واللعاب، وغيرها من الأعضاء التي لا نستطيع التحكم في حركاتها بإرادتنا.
وبناء على ما سبق تمكن العلماء من ابتكار أجهزة (ميكانيكية) لها القدرة على رصد تلك التغيرات الانفعالية التي تعتري الشخص الخاضع لعملها حتى ولو عمل الشخص على إخفائها عن طريق أعضائه ذاتية الحركة، ومن تلك الأجهزة ما يعرف بـ” جهاز كشف الكذب ” فإذا اتُهم شخص بأمر من الأمور، ونفى علاقته به، وبعد اختباره بجهاز كشف الكذب أفاد الخبير باستنتاج كذب المتهم في أجوبته عن الأسئلة الموجهة إليه، فهل يمكن اعتبار هذه النتيجة قرينة قوية في إثبات ما نسب إلى المتهم أو لا؟

حكم المسألة

لا يمكن اعتبار نتائج الاختبار بهذا الجهاز قرائن قوية يحكم بموجبها، بل إن دلالتها على المراد دلالة ضعيفة، والوثوق بها غير متحقق، ويمكن إرجاع ذلك إلى العديد من الأسباب أهمها ما يأتي:

أولاً: أن نتائج استخدام هذا الجهاز لم تصل بعد إلى حد القطع واليقين، فقد ثبت من واقع التجارب التي استمرت أكثر من خمسين عاماً مع أدق الأجهزة وأكفأ الخبراء أن هناك نسبة من الخطأ تقدر بـ 5%، إضافة إلى نسبة تتراوح ما بين 15ـ20 % يكاد يستحيل على الخبير البت فيها إذا كان المستجوب صادقاً أو كاذباً، وهذه ولا شك نسبة مرتفعة لا يمكن إغفالها أو التغاضي عنها، وخاصة في المجال الجنائي.

 

ثانياً: أن هناك العديد من العوامل التي تؤثر على صحة نتائج هذا الجهاز، ومن هذه العوامل ما يأتي:

1-أن من الناس من تكون شخصيته ذات (عصبية) شديدة مما قد يصدر معها بعض الانفعالات والتوترات لمثل هذه المواقف الصعبة، مما يؤدي إلى صعوبة تمييز الخبير بين الانفعالات الطبيعية لهذه الشخصية، وبين الانفعالات الناشئة عن الكذب، وخاصة أن الانفعالات لمثل هذه الشخصية تزداد كلما كان الشخص بريئاً؛ لأنه يكـون أكثـر خشية ورهبة من أن يسفر الفحـص عن إدانته خـلافاً للحقيقة.

2- أن من الناس من يكون معتاداً على الكذب دون أن يصاحب ذلك اضطرابات أو قلق في حالته النفسية مما يؤدي إلى عدم تمكن الجهاز من قياس أي انفعالات غير طبيعية.

3- معاناة بعض الأشخاص من بعض الأمراض العقلية، فلا يمكن عندها التأكد من دقة النتائج؛ لأن إجابات مثل هؤلاء تأتي مضطربة ليست ذات دلالة متعلقة باتجاهات شخصية صاحبها بصفة عامة.

4- أن من الناس من عرف ببلادة الحس وعدم الانفعال مهما كانت قوة المؤثرات، ومن ثم لا يمكن اعتماد نتائج هذه الاختبارات لمثل هؤلاء الأشخاص.

5- أن من الناس من اعتاد على الإجرام فيراه أمراً مقبولاً أو عملاً غير مخز، ومن ثم فإن الكذب أثناء الاختبار لا يحرك ساكناً في نفسه، مما يفقد الكذب انفعالاته المصاحبة فلا يستطيع المحقق كشف ذلك مهما كانت براعته في صياغة الأسئلة.

6- في بعض الأحيان قد تكون للمستجوب علاقة بمكان الجريمة لا بالجريمة نفسها كمن اعتاد الذهاب لمكان يتناول فيه المسكر، ثم اتهم بأنه قتل فلاناً في ذلك المكان مع أنه بريء، فعند ذكر المكان قد ينفعل ويتأثر خشية انفضاح أمره مع المسكر، فتظهر تلك الانفعالات على الجهاز فيظن كذبه، وينسب إليه ما هو منه براء.

7- معاناة بعض الأشخاص من أمراض القلب، وارتفاع ضغط الدم، وأمراض الجهاز التنفسي قد تكون عائقاً من التوصل إلى نتائج دقيقة.

وبناء على ما سبق فإنه لا يمكن الاعتماد على النتائج التي توصل إليها الخبراء من استعمال هذا الجهاز؛ لأن ما توصلوا إليه هو من قبيل الظن والتخمين، فالظن يخطئ ويصيب، ولأنه لا يوجد أحد مهما بلغ من كفاءة ومهارة يمكن أن يدعي أنه يستطيع بواسطة هذا الجهاز – على وجه القطع واليقين – معرفة خفايا الناس، وما يحملونه من أحاسيس ومشاعر وآلام من خلال بعض العلامات والمؤثرات المضطربة وغير المنضبطة.

 

هذا وقد ارتضى بعض الباحثين جملة من القيود التي ينبغي مراعاتها عند استخدام هذه الأجهزة، وهي قيود لها وجاهتها ولا بأس من اعتبارها، ويمكن إجمالها فيما يأتي:

أولاً: ألا تكون الجريمة في حق خالص لله، إلا ممن ظهر فساده وعرف بالفجور.

ثانياً: أن يكون استخدامه بعد إذن ولي الأمر أو وكيله.

ثالثاً: أن يكون الوضع الصحي للمتهم لائقاً، بحيث لا يتضرر من استخدام الجهاز، ويكون هذا بتقرير طبي من مستشفى معتمد لدى الجهات المعنية.

رابعاً: أن يكون المستخدم له من أهل المعرفة التامة.

خامساً: أن تكون هناك قرائن أخرى تشير إلى إدانة ا لمتهم.

سادساً: أن يقتصر استخدامه على الاسترشاد في تقصي الحقيقة والبحث عن المتهم الحقيقي، أو جمع الأدلة الكافية ضده، دون أن تقدم نتائجه مستقلة للقضاء.

المراجع

• القضاء بالقرائن المعاصرة (رسالة دكتوراه ـ المعهد العالي للقضاء ـ جامعة الإمام) د. عبدالله العجلان (555).
• وسائل التحقيق المستحدثة وأثرها في الإثبات الجنائي (بحث تكميلي في المعهد العالي للقضاء ـ جامعة الإمام) وائل الثنيان ص 139.
• التحقيق الجنائي في الفقه الإسلامي (رسالة ماجستير ـ كلية الشريعة ـ جامعة الإمام) بندر اليحيى (147 ـ 148).
• مصل الحقيقة وجهاز كشف الكذب لأحمد خليفة ص100.
• حقوق الإنسان ومشروعية استخدام رجال الشرطة للوسائل المستحدثة للتحقيق الجنائي لحسن ربيع ص142.
• شرعية الأدلة المستمدة من الوسائل الحديثة لحسن السمني ص292.
• الوسائل العلمية الحديثة في الإثبات الجنائي لحسنين بوادي ص171.
• أدلة الإثبات في الفقه الإسلامي لأحمد فراج ص298.
• التحقيق الجنائي المتكامل لمحمد البشري ص310.
• الوسائل العلمية الحديثة في الإثبات الجنائي لحسين إبراهيم ص127، 130.
• التحريات والإثبات الجنائي للدغيدى ص255.
• التحقيق الجنائي المتكامل لمحمد البشري ص310.
• الاستجوابات الجنائية في مفهومها الجديد لسراج الدين ص139.
• الأساليب العلمية الحديثة في مكافحة الجريمة لمحمد جمعة ص198، 199.
• دراسة حول جهاز كشف الكذب لحسين إبراهيم ص252.
• حماية حقوق الإنسان والوسائل المستحدثة للتحقيق الجنائي لحسن ربيع ص286.
• التحريات والإثبات الجنائي للدغيدى ص250.

مسائل ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى