قسم الجنايات والقضاء والعلاقات الدوليةباب مسائل القضاء

أثر المستندات العرفية في الإثبات

مسألة رقم 178

صورة المسألة

المستند العرفي هو ورقة مشتملة على كتابة موقعة ممن صدرت عنه قاصداً بها إعداد الدليل على العقد أو التصرف الذي تنطوي عليه، دون أن يتدخل في تحريرها موظف عام، أو حررت أمامه مع اختلال شرط من شروط الرسمية، فما حكم العمل به هل يعتبر في الإثبات أو لا؟

حكم المسألة

إذا تنازع شخصان على أمر وأبرز أحدهما ورقة عرفية تشتمل على توقيع المدعى عليه فإن الأمر لا يخلو من ثلاث حالات:

الحالة الأولى: أن يقر المدعى عليه بأن هذا توقيعه فيكون إقراره حجة عليه، ودليلاً على صدور هذه الورقة منه، مما لا يسوغ معه الرجوع مرة أخرى وإنكار هذا التوقيع.

الحالة الثانية: أن يسكت المدعى عليه، وفي هذه الحالة يعد سكوته إقراراً ضمنياً بأن هذا توقيعه، ومن ثم نسبة المستند إليه، لأن باستطاعته أن ينكر ولم يفعل، وسكوته هذا مسقط لحقه في الإنكار بعد ذلك إلا إذا أثبت أن سكوته كان لأمر معتبر.

الحالة الثالثة: أن ينكر المدعى عليه هذا التوقيع وهذه الورقة، ويجب أن يكون الإنكار صريحاً ومحدداً تحديداً واضحاً، فلا يكفي أن يظهر المدعى عليه الشك، أو أنه لا يتذكر فيما إذا كان وقع على المستند أو لا؛ لأن ذلك لا يعد من باب الإنكار بل يجوز حمله على العكس واعتباره إقراراً ضمنياً بصدور المستند منه.

فإذا أنكر المدعى عليه وجب على من يحتج بها أن يثبت صدورها من صاحب التوقيع، وذلك بطلب إحالة الورقة للتحقيق وفقاً لإجراءات تحقيق التوقيع والخطوط والأختام التي يقوم بها أهل الاختصاص في هذا المجال.

فإذا رأت المحكمة إحالة الورقة إلى التحقيق وأثبت التحقيق صدور التوقيع من المدعى عليه صار له قوة في الإثبات كمـا لو لم ينكره، أما إذا توافـر لدى القاضي من وقائع الدعوى ومستنداتها ما يكفي لاقتناعه بصحة التوقيع فإنه لا يلزم بإجراء التحقيق.

وينبغي أن يتم إنكار المدعى عليه قبل مناقشة موضوع المستند، وعلى ذلك فإن من يحتج عليه بمستند عرفي ثم يناقش موضوع هذا المستند لا يقبل منه بعد ذلك إنكار الخط، أو الإمضاء، أو البصمة ونحوها، لأن مناقشة موضوع الدعوى بعد الاطلاع على المستند قرينة قوية على اعترافه بصحة المستند المنسوب إليه؛ إذ بإمكانه إنكاره إذا كان غير صحيح بمجرد اطلاعه عليه، فمناقشته ثم إنكاره دليل على أنه لما استشعر ضعف مركزه في الدعوى أراد التحايل والخروج من التبعات فقام بالإنكار، وهذا مما لا ينبغي أن يمكّن منه.

كما أنه في بعض الأحيان قد يعترف الشخص الذي نسب إليه المستند العرفي بأن بصمة الختم الموقع عليها هي بصمة ختمه، إلا أنه ينكر كونه القائم بهذا التوقيع، وهذا أمر متصور؛ لأن الإنسان قد يضيع ختمه أو يعهد به إلى شخص يخون الأمانة، فيحصل التوقيع من غير صاحب الختم، فالذي يظهر هنا أن مجرد الاعتراف ببصمة الختم كاف لثبوت الحجية للمستند العرفي، فلا يطلب من المتمسك به أي دليل آخر لاعتماد صحته والاحتجاج به على خصمه (صاحب الختم) ولا يستطيع الخصم التنصل من المستند إلا إذا أثبت التزوير، وأنه لم يوقع هذا المستند.

أما إذا كان صاحب التوقيع قد مات فإن الورقة تكون حجة في مواجهة الوارث، فإن أقر بها كان كاعتراف صاحب التوقيع، ويحق له نفي صدور الورقة ممن نسبت إليه – إذا لم يثبت المدعي ذلك – لا عن طريق إنكار التوقيع، بل يكفي أن يحلف يميناً أنه لا يعلم أن الخط أو الإمضاء أو الختم أو البصمة هي لمورثه، وهذه اليمين إنما هي لإثبات الجهالة بهذا التوقيع، وهي تختلف عن اليمين التي يحلفها الوارث لإفادة عدم علمه بهذا التصرف، ونفي صدوره من المورث.

وينبغي التنبيه هنا على أنه إذا كان التوقيع في الورقة العرفية مصدقاً عليه رسمياً فإنه لا يقبل إنكاره من صاحبه، ولا يمين الوارث على عدم العلم بأنه توقيع مورثه، وإنما يلزم لجحده اللجوء إلى ادعاء التزوير؛ لأن التصديق يتم بمحضر رسمي يتولاه موظف رسمي مختص مما يجعل التوقيع المصدق عليه كالبيانات الرسمية المدونة في المستندات الرسمية.

وإثبات صدور الورقة ممن وقعها لا يلزم منه الإقرار التام بكل ما جاء فيها، فقد يقر بأن هذا توقيعه ولكنه ينكر شيئاً مما ورد في المستند، فمثلاً إذا كان المستند يثبت بيعاً صدر من رجل على آخر، وأن المشتري قبض الثمن، فإن صاحب التوقيع يستطيع أن يثبت أن هذا البيع صوري، أو أنه لم يقبض الثمن ونحو ذلك، فلا يلزم من ثبوت الورقة العرفية التسليم بكل ما فيها وهذا بخلاف الورقة الرسمية.

المراجع

• القرائن المادية وأثرها في الإثبات (رسالة دكتوراه ـ كلية الشريعة ـ جامعة الإمام) د. زيد القرون (471 ـ 479).
• السندات العادية ودورها في الإثبات المدني للعبودي ص24-25.
• الإثبات في التجارة الإلكترونية لأحمد المهدي ص10.
• التوثيق والإثبات بالكتابة لمحمد مبارك ص310.
• الإثبات التقليدي والإلكتروني لمحمد منصور ص75.
• حجية الأوراق الرسمية والعرفية لمحمد عابدين ص11.
• شرح أحكام قانون الإثبات المدني للعبودي ص134، 144.
• إثبات المحرر الإلكتروني للورنس عبيدات ص66.
• دور الحاكم المدني في الإثبات لآدم النداوي ص230.
• موجز أصول الإثبات في المواد المدنية والتجارية لمحمد سرور ص75.
• طرق الإثبات في المواد المدنية والتجارية لخالد موسى ص49.
• الإثبات والتوثيق أمام القضاء لعبد الرحمن القاسم ص80.
• ضوابط الاستدلالات والإيضاحات والتحريات والاستخبارات لقدري الشهاوي ص407.
• حجية المحررات في الإثبات القضائي لمحمود الهمشري ص15.
قواعد الإثبات في المواد المدنية والتجارية لتوفيق فرج ص114.

مسائل ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى