قسم الجنايات والقضاء والعلاقات الدوليةباب الجنايات

أثر المرض النفسي في تخفيف العقوبة

مسألة رقم 249

العناوين المرادفة

1. عقوبة المريض النفسي.
2. عقوبة المضطرب نفسيا.
3. أثر المرض النفسي في العقوبة.
4. المريض النفسي والعقوبة الجنائية.

صورة المسألة

إذا كان الجاني يعاني من مرض نفسي يؤثر في إدراكه – فينعكس أثر ذلك في تصرفاته – هل يؤثر ذلك في تخفيف العقوبة الشرعية للجناية الصادرة منه؟

حكم المسألة

إن حكم هذه المسألة تمثل خلاصة الكلام في مسألة: “جناية المريض النفسي” المتقدمة؛ لأن الحديث عن آثار هذه الجناية يتعلق ببيان ما يترتب عليها من القصاص أو الدية، والكفارة، والمنع من الميراث إذا جنى على مورثه…وبيان هذه الحالات على النحو الآتي:

أولا: القصاص.

تقدم أن جنايته بإتلاف نفس أو ما دونه أو ارتكاب حد لا يوجب القصاص أو العقوبة الحدية باتفاق؛ لأن فوات الإدراك يمنع من القصد الصحيح الموجب للقصاص في الأول والحد في الثاني؛ فيرتفع عنه التكليف لزوال موجبه، فيكون للمرض النفسي في هذه الصورة أثره في إسقاط العقوبة المترتبة على لجناية الموجبة للقصاص أو الحد.

وذلك يعود إلى أن الشارع اعتبر عمده خطأ بناء على كونه ناقص الأهلية؛ لما تقرر من الأدلة، ولما روي عن علي – رضي الله عنه – : “عمد المجنون والصبي خطأ” [رواه البيهقي في السنن الكبرى برقم: (16515) 8/100].

 

ثانيا: الدية.

إذا جنى المريض النفسي جناية متعمدة هل يترتب عليها الدية، اختلفوا في ذلك تخريجا على الخلاف في جناية المجنون إذا كانت توجب الدية، والخلاف في ذلك على اتجاهين:

الاتجاه الأول: أن جنايته هدر، فلا توجب ضمانا ولا دية، ومقتضاه: أن المريض النفسي لا يضمن الدية، فيكون للمرض النفسي أثره في تخفيف العقوبة المالية المترتبة على الجناية.

واستدلوا على ذلك بدليلين:

  1. قوله – ﷺ – : (رفع القلم عن ثلاثة: – وذكر -: وعن المجنون حتى يفيق…) [أخرجه أحمد برقم: (940) 2/254، وأبو داود برقم : (4410) 4/140، والحاكم في المستدرك برقم: (949) 1/381، وصححه على شرط الشيخين] والمريض النفسي في معناه.
  2. ولأنه لما انتفى التمييز والقصد كان كالعجماء، والعجماء جرحها جبار.

الاتجاه الثاني: أن جنايته توجب الدية، وهل هي في ماله أو على عاقلته على قولين:

القول الأول: أنها تجب على عاقلته، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي في أحد قوليه وأحمد، ومقتضاه: أن دية جناية المريض النفسي على عاقلته، ومن ثم يكون للمرض النفسي أثره في تخفيفها عن ماله.

وعللوا ذلك: أن إيجابها في ماله الخاص من لوازم وجود القصد الصحيح للجناية، وذلك منتف عن المريض النفسي؛ فينتفي عنه حكمه.

القول الثاني: أن الدية واجبة في ماله الخاص، ومقتضاه: أن المريض النفسي يدفع الدية من ماله، ومن ثم فلا يكون لهذا المرض أثره في إسقاط لزوم الدية عن ماله الخاص.

وعللوا ذلك: أن للمجنون إرادة واختيار، ويستحق التأديب؛ فإذا سقط القود بالنص والإجماع بقي لزوم الدية على ماله الخاص.

 

ثالثا: الميراث.

لا يمنع المريض النفسي عن الميراث إذا جنى على مورّثه، ومن ثم يكون الشارع قد راعاه في هذه الحالة؛ حيث لم يرتب على جنايته على مورثه معاقبته بالحرمان من الميراث؛ وذلك يلي:

  1. قوله تعالى: ( يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ) [النساء:11].
  2. وحديث : (رفع القلم عن ثلاثة: – وذكر -: وعن المجنون حتى يفيق…) [أخرجه أحمد برقم: (940) 2/254، وأبو داود برقم : (4410) 4/140، والحاكم في المستدرك برقم: (949) 1/381، وصححه على شرط الشيخين].

وجه الدلالة: أن المريض النفسي – إذا قتل والده مثلا – يدخل في عموم الآية، وقتله لوالده لا يكون مانعا لعموم الحديث في رفع التكليف عنه.

 

رابعا: الكفارة

لا تجب الكفارة على المريض النفسي؛ لأن ارتفاع التكليف عنه يوجب رفع الإثم، فإذا انتفى الإثم لانتفاء موجبه كان سقوط الكفارة بانتفاء الإثم من باب أولى.

المراجع

1. أحكام المريض النفسي في الفقه الإسلامي، للدكتورة خلود بنت عبدالرحمن المهيزع، رسالة دكتوراه بقسم الفقه، كلية الشريعة، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، عام 1431 / 1432 هـ.
2. بدائع الصنائع لعلاء الدين أبوبكر بن مسعود الكاساني (ت 587هـ).
3. البيان والتحصيل لأبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد (ت 520هـ).
4. التاج والإكليل لمختصر خليل لمحمد بن يوسف الموّاق (ت 897 هـ).
5. الحاوي الكبير لأبي الحسن علي بن محمد الماوردي (ت 450 هـ).
6. روضة الطالبين وعمدة المفتين لأبي زكريا محي الدين النووي (ت 676 هـ).
7. المبدع في شرح المقنع لإبراهيم بن محمد بن مفلح (ت 884 هـ).
8. المبسوط لمحمد بن أحمد السرخسي (ت 483 هـ).
9. المغني لأبي محمد عبدالله بن أحمد بن قدامة المقدسي (ت 620 هـ).

مسائل ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى