قسم الجنايات والقضاء والعلاقات الدوليةباب مسائل القضاء

أثر العقاقير الطبية في الإثبات

مسألة رقم 174

العناوين المرادفة

استخراج الإقرار.

صورة المسألة

قد يمر الإنسان في حياته بأحداث تترك آثارها في نفسه، وتبقى تلك الأحداث في منطقة الشعور حتى إذا ما انقضت فترة من الزمن أو لزم هروب صاحبها من ذكراها فإنها تتسرب إلى أعماق اللاشعور، فهي تختفي وتستقر في اللاشعور إلى أن يجذبها من الأعماق مؤثرات خارجية لا دخل له فيها ولا في حدوثها، فتظهر هذه الترسبات والمكبوتات كردود فعل لها.
ومن هذه المؤثرات ما يعرف بـ (مصل الحقيقة) حيث يمكن من خلاله التسلل إلى بواطن العقل البشري لمعرفة ما قد يحتويه من ضغوط مكبوتة، وأسرار محجوبة.
فما حكم استعمال هذه العقاقير لأجل الإثبات، وهل يعتد بها؟.

حكم المسألة

هذه العقاقير المستخدمة هي في الواقع مواد مخدرة تؤثر على وعي الإنسان وإدراكه؛ ولذلك فالذي يظهر أنه لا يجوز استخدام مثل هذه العقاقير ابتداء، كما أنه لا يمكن اعتبار أي اعتراف أو إقرار ناشئ عن استخدامها، فلو أقر متهم إثر حقنه بهذا العقار بما نسب إليه من تهمة فإن هذا الإقرار غير معتبر –ويسمى في الفقه الإسلامي: استخراج الإقرار – ولا يمكن أن يحكم عليه بموجبه، ويمكن التعليل لذلك بما يأتي:

أولاً: أن هذه العقاقير محرمة شرعاً؛ لاشتمالها على ما يزيل العقل ويغطيه من المواد المخدرة، شأنها في ذلك شأن المسكر.

 

ثانياً: أن الكلام الصادر من الشخص المحقون بهذه العقاقير صادر من غير إرادة ولا اختيار أشبه بكلام النائم والمغمى عليه وهما غير مؤاخذين شرعاً بما يصدر منهما من أقوال لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يشب، وعن المعتوه حتى يعقل». [رواه أحمد (940)، الترمذي (1443)، أبو داود (4388)، ابن ماجه (2025)].

 

ثالثاً: أن نتائج العقاقير المخدرة لم تصل بعد إلى الدرجة الكافية من الثقة العلمية، فقد أثبتت نتائج العديد من التجارب أنها لا تتسم بالدقة، ولا يمكن أن تصل إلى المطلوب ولا سيما في مجال التحريات والتحقيق الجنائي بل هي عرضة للخطأ، ويمكن إرجاع ذلك إلى أمرين:

أحدهما: أن اعترافات المتهم وأقواله كثيراً ما تكون وهمية، مشوبة بالتخيلات التي لا تمت إلى الحقيقة بصلة بسبب فقده للسيطرة على مشاعره وحريته في التفكير بسبب العقار، فهو غالباً ما يعبر تحت تأثير المخدر عن الرغبات الجنائية والميول العدوانية المكبوتة والتي لم يتمكن من تحقيقها لسبب ما، فتظهر لبعض اللحظات القليلة في الإدراك ولكن سرعان ما تخمد فكرتها نتيجة لمقاومة داخلية من الضمير، أو لصعوبات خارجية قابلتها عند التنفيذ.

الثاني: أثبت الخبراء أن هناك كثيراً من الحالات لم يثبت العقار فيها كفاءته في إضعاف الرقابة المفروضة من الشخص على ما يحتفظ به من أسرار، بمعنى أن من الناس رغم حقنه بالعقار المخدر يستطيع أن يتحكم فيما يريد الاحتفاظ به لنفسه من معلومات، كما يستطيع تحت تأثيرها أن يكذب ويضلل المحقق، ويرجع المختصون هذه القدرة على التحكم في الإرادة إلى التصادم الذي يحدث بين المحقق والمتهم وهو في حالة اليقظة قبل حقنه، والذي يكون كافياً لكي يترك أثراً ظاهراً عليه أثناء استجوابه، ومثلهم أولئك الذين اعتادوا على الكذب وتمرسوا عليه قد يسهل عليهم تضليل المحقق ولو تحت تأثير العقار.

 

رابعاً: أن استخدام هذه العقاقير يعد اعتداء على حق الإنسان في السلامة المادية والمعنوية؛ ذلك أن عملية الحقن والحالة التخديرية التي يمر بها الفرد تشكل خطورة جسمانية ونفسية وروحية عليه.

 

خامساً: أن استخدام هذه العقاقير يؤثر على ملكات الإنسان، ويفصل بين الشعور واللاشعور، وفي ذلك انتهاك لحرمة أسرار النفس البشرية الواجب احترامها.

 

سادساً: أن في استخدام هذه العقاقير نوع إكراه يشل من إرادة المتهم فيما يصدر عنه ـ والإكراه هنا على تصنيف الفقهاء إكراه ملجيء ـ فلا يؤاخذ المرء حينئذ بما صدر منه.

ولذا فإن الكثير من المؤتمرات الدولية التي ناقشت مشروعية استخدام هذه الوسيلة قد خلصت إلى الرفض القاطع، وعدم اعتبار أي إقرار صادر عنها.

المراجع

• القرائن المادية وأثرها في الإثبات (رسالة دكتوراه ـ كلية الشريعة ـ جامعة الإمام) د. زيد القرون (619ـ 627).
• الإثبات في الدعوى الجنائية بالقرائن (بحث تكميلي في جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية) علي بن مد الله الرويشد ص275.
• التحقيق الجنائي في الفقه الإسلامي (رسالة ماجستير ـ كلية الشريعة ـ جامعة الإمام) بندر اليحيى (140).
• حقوق الإنسان ومشروعية استخدام رجال الشرطة للوسائل المستحدثة للتحقيق الجنائي لحسن ربيع ص133-143.
• أدلة مسرح الجريمة لقدري الشهاوي ص214.
• التحريات والإثبات الجنائي للدغيدى ص262، 263.
• حماية حقوق الإنسان والوسائل المستحدثة للتحقيق الجنائي لحسن ربيع ص158، 164، 184.
• التحقيق الجنائي المتكامل لمحمد البشري ص280، 282.
• الأساليب العلمية الحديثة في مكافحة الجريمة لمحمد جمعة ص197.
• شرعية الأدلة المستمدة من الوسائل الحديثة لحسن السمني ص300.
• الوسائل العلمية الحديثة في الإثبات الجنائي لحسين إبراهيم ص147-148.
• الاستجوابات الجنائية في مفهومها الجديد لسراج الدين ص141.
• ضوابط الاستدلالات والإيضاحات والتحريات والاستخبارات لقدري الشهاوي ص364.
• مصل الحقيقة وجهاز كشف الكذب لأحمد خليفة ص91.

مسائل ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى