قسم الفقه الطّبيباب التداوي

أثر استعمال الأدوية النفسية على الصحة

المسألة رقم 115

العناوين المرادفة

• حكم التداوي بالأدوية النفسية.
• أثر العلاجات النفسية على بدن الإنسان.

صورة المسألة

لعلاج الأمراض النفسية وسيلتان، هما:
1- العلاج الدوائي: ويشمل جميع العقاقير المستعملة للتأثير على الحياة النفسية للمريض، وخاصة في حالات الاضطراب النفسي والمرض العقلي.
2- العلاج النفسي: ويراد به معالجة الاضطرابات العقلية أو النفسية والعاطفية باعتماد الوسائل والأساليب النفسية للتأثير على نفسية المريض.
ومن الوسائل المستخدمة في العلاج النفسي: الإيحاء والتحليل النفسي، والعلاج السلوكي والعلاج الإرشادي، وتقوية الإرادة وتعزيز الروح المعنوية…
وقد أفادت الدراسات العلمية الطبية أن أنجح الوسائل العلاجية لمعظم الأمراض النفسية الجمع بين الوسيلتين، العلاج الدوائي والعلاج النفسي.
أنواع الأدوية النفسية:
تصنف الأدوية المستخدمة في علاج الاضطرابات النفسية إلى مجموعات رئيسية، هي:
1. الأدوية المضادة للذهان.
2. مضادات القلق.
3. مضادات الاكتئاب.
4. أملاح الليثيوم.
5. المنومات.
6. المنشطات النفسية.

حكم المسألة

الأدوية النفسية كغيرها من الأدوية ينشأ عن استعمالها بعض الآثار الجانبية؛ كانخفاض الضغط، وفقدان الوعي، وجفاف الحلق، وزغللة العينين، والعجز الجنسي، وفقر الدم، … وغيرها من الآثار.

لذا يجب على الطبيب اختيارها بعناية ووصفها بجرعات محددة؛ للحد قدر الإمكان من أضرارها على بدن المريض.

فإذا ثبت أن للأدوية النفسية أضراراً متفاوتة على صحة المريض، فما حكم التداوي بها؟

 

أولاً: حكم التداوي بالأدوية النفسية:

يباح التداوي بالأدوية النفسية وإن اشتملت على بعض الأضرار؛ لأن الأصل في التداوي من الأمراض الحل إذا كان الدواء مباحاً، ولم يترتب على استعماله ضرر يفوق المصلحة المرجوة منه، وبه أفتى الشيخ ابن باز – رحمه الله –

والدليل على ذلك ما يلي:

1- حديث عائشة رضي الله عنها قالت: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن التلبينة تجم فؤاد المريض وتذهب ببعض الحزن» [مسلم، رقم (2216)].

الحديث دليل على إباحة التداوي من العلل النفسية بالأطعمة المباحة، فالتلبينة نوع من أنواع الطعام لها خاصية إذهاب الحزن، فيقاس عليها كل دواء مباح له خاصية إذهاب الحزن وغيره من الأعراض النفسية.

2- حديث جابر رضي الله عنه «لكل داء دواء فإذا أصيب دواء الداء برئ بإذن الله» [مسلم، رقم (2204)].

وقول النبي ﷺ : «… إن الله عز وجل لم يضع داء إلا وضع له شفاء…» [أبو داود، رقم (3855)، والترمذي، رقم (2038). وقال: حسن صحيح].

فالحديثان نص في إباحة التداوي من الأمراض بالأدوية المباحة، والمرض النفسي نوع من الأمراض، فجاز التداوي منه بالأدوية والعقاقير الطبية.

3- أن التداوي من الأمراض النفسية يحقق مصالح شرعية كبرى، فبه تلتم الأسر، ويتماسك المجتمع، فإذا وجدت أدوية مباحة نافعة جاز للطبيب صرفها للمريض، وجاز للمريض تناولها.

 

وحيث قيل بإباحة التداوي بالأدوية النفسية إلا أنه ينبغي على الطبيب مراعاة ما يلي:

  1. شدة المرض وحاجة المريض للدواء.
  2. إمكانية علاج المرض النفسي بوسائل أخرى غير دوائية كالعلاج السلوكي.
  3. أن يوازن بين منفعة الدواء ومفسدة الآثار الناتجة عنه، يقول ابن القيم – رحمه الله –: “وقد اتفق الأطباء على أنه متى أمكن التداوي بالغذاء لا يعدل عنه إلى الدواء، ومتى أمكن بالبسيط لا يعدل عنه إلى المركب”.

 

ثانياً: حكم التداوي بالعلاج النفسي:

إن الاكتفاء بالعلاج الدوائي للمرض النفسي دون العلاج النفسي يجعل المريض يتحسن تحسناً ضعيفاً، فقد أكدت عشرات من الدراسات العلمية أن العلاج بالعقاقير فقط يحقق 50% من الشفاء، والعلاج النفسي يحقق 50% الأخرى؛ لأن الدواء قد ينجح في تحسين الأعراض الجسمانية الناتجة عن الاضطرابات النفسية؛ كالتوتر، والأرق، والرجفة، لكنه لا يستطيع أن يساعد المريض على تعديل أفكاره الخاطئة، وسلوكه غير المنضبط، وأن يعبر عن مشاعره ويفصح عن انفعالاته.

فهل يشرع التداوي بالعلاج النفسي؟

يباح التداوي بالعلاج النفسي بالشروط التالية:

1- ألاَّ ينطوي العلاج على محذور شرعي، كأصوات المعازف ونحوها.

2- اتحاد الجنس بين المعالج والمريض إلا عند الضرورة.

3- عدم خلوة المعالج بالمريضة، وأن يقتصر الكلام على قدر الحاجة.

ودليل الإباحة ما يلي:

  • حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته» [البخاري، رقم (3276)].

فقوله عليه السلام : “فلينته” أي عن الاسترسال معه في ذلك، بل عليه أن يستعين بالله في دفعه، فوجه النبي ﷺ إلى وسيلة من وسائل العلاج السلوكي وهي – إيقاف الأفكار – ولم يناقش عليه السلام الفكرة الوسواسية نفسها، بل اتجه في العلاج إلى طبيعتها الملحة المتكررة وهذا منهج العلاج النفسي المعاصر، مما يدل على مشروعيته.

2- حديث عبدالله بن تميم عن عبدالله بن زيد رضي الله عنه شكي إلى النبي ﷺ «الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً» [مسلم، رقم (362)] .

فقوله: “يخيل إليه” يعني خروج الريح من بطنه، فأرشده النبي ﷺ إلى العلاج وهو عدم الالتفات إلى هذا التخييل حتى يتيقن، وهذا الحديث أصل من أصول الإسلام، وفيه وجه النبي ﷺ إلى وسيلة عملية (سلوكية) للعلاج النفسي وهي منع الاستجابة، والتي تعد إحدى تقنيات العلاج السلوكي المستخدمة في علاج بعض الأمراض النفسية.

3- القاعدة الشرعية: الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف، وقاعدة: يختار أهون الشرين أو أخف الضررين.

فعلاج الأمراض النفسية بالعلاج النفسي أولى متى أمكن ذلك قبل البدء بالعلاج بالأدوية النفسية؛ تجنباً لآثارها.

4- ما ورد في كتب السير أن وفد الجعفي كانوا يحرمون أكل القلب، فلما أسلم وفدهم، أمرهم رسول الله ﷺ بأكل القلب، وأُمر به فشوي وناوله رئيسهم، وقال: لا يتم إيمانكم حتى تأكلوه فأخذه ويده ترعد فأكله. [البداية والنهاية 5/99].

فأمر النبي ﷺ له بأكل القلب حتى يزول ما بنفسه من رهبة وخوف من أكل القلب، وهذا ما يستخدم في العلاج النفسي اليوم، فيشجع المريض على اقتحام ما يخاف منه ومواجهته حتى يزول ما بنفسه من رهبة وخوف.

المراجع

– أحكام المريض النفسي في الفقه الإسلامي، د. خلود بنت عبد الرحمن المهيزع، دار الصميعي، ط1، 1434هـ.
– الوسواس القهري مرض نفسي أم أحاديث شيطانية، د. طارق الحبيب، مطبعة سفير، ط1، 1424هـ.
– ذم الموسوسين والتحذير من الوسوسة، موفق الدين ابن قدامة، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.
– النفس انفعالاتها وأمراضها وعلاجها، د. علي كمال، جامعة بغداد، دار واسط، ط2، 1983م.
– أضواء على المعالجة النفسية (النظرية والتطبيق)، د. فيصل عباس، دار الفكر، بيروت، لبنان.
– الموسوعة الصحيحة الشاملة، د. ضحى بابلي، ط2، 1426هـ. [489-492].
– موسوعة علم النفس، إعداد: د. أسعد رزوق، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط4، 1992م.
– الطب النفسي والقانون، أحكام وتشريعات الأمراض النفسية، د. لطفي الشربيني، المكتب العلمي للنشر والتوزيع.
– موقف الإسلام من التداوي بالعقاقير نفسية التأثير، د. وائل أبو هندي، نسخة إلكترونية. www.maganin

مسائل ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى